خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الثّامنة عشر

9 ديسمبر 2018
914
ميثاق العسر

#يُعدّ أبو سعيد الميمون بن القاسم الطّبراني محطّة بارزة وهامّة جدّاً في تراث الشّيعة النّصيريّة الّمعروفين بالعلويّين في بلاد الشّام، وقد ولد في طبريّة سنة: “358هـ”، وعاش في حلب والّلاذقيّة وتوفّي في أحدهما سنة: “426هـ”. ولأبي سعيد الميمون كتاب هامّ حمل عنوان: “سبيل راحة الأرواح ودليل السّرور والأفراح إلى فالق الإصباح”، اشتهر في أوساطهم بـ […]


#يُعدّ أبو سعيد الميمون بن القاسم الطّبراني محطّة بارزة وهامّة جدّاً في تراث الشّيعة النّصيريّة الّمعروفين بالعلويّين في بلاد الشّام، وقد ولد في طبريّة سنة: “358هـ”، وعاش في حلب والّلاذقيّة وتوفّي في أحدهما سنة: “426هـ”. ولأبي سعيد الميمون كتاب هامّ حمل عنوان: “سبيل راحة الأرواح ودليل السّرور والأفراح إلى فالق الإصباح”، اشتهر في أوساطهم بـ “مجموع الأعياد”، وكان أوّل من نبّه إليه من الباحثين الأوربيّين المُحدثين المستشرق كتافاجو الكاتب في قنصليّة بروسيا العامّة في سوريا في رسالة بعثها إلى فلدنبروخ، ونُشرت في المجلّة الآسيويّة في تاريخ فبراير سنة: “1848م” مع ترجمة فرنسيّة لبعض فصوله، وقد قام رودولف اشتروطمن ـ المستشرق الألماني المتوفّى سنة: “1960م” ومن تلامذة كارل بروكلمن ـ بنشر هذا الكتاب في ثلاث كرّاسات سنة: “1946م” في هامبورغ الألمانيّة. [مذاهب الإسلاميين، عبد الرّحمن بدوي: ص1207]، كما صدر أخيراً هذا الكتاب ضمن موسوعة التّراث العلوي والّتي ضمّت آثاراً كثيرة لهذه الفرقة تُنشر لأوّل مرّة.
#لا أريد الخوض في تفاصيل هذا الكتاب ولا في طبيعة المقولات النّصيريّة المغالية حتّى النخاع فيه، ولا عن مدى تأثّر هذه الفرقة بالنّزعة الشّعوبيّة الفارسيّة الّتي تجسّدت في مقولاتهم وأعيادهم؛ فهذا موضوع بحاجة إلى دراسة شموليّة مستأنفة، لكنّ ما يهمّني فعلاً هو الكشف عن مصدر الإلهام الأوّل لخرافة فرحة الزّهراء المعروفة في الأوساط الإثني عشريّة منذ فترة طويلة لأوضّح: إنّ أساس هذه الخرافة ولد في أحضان النّصيريّة بدواعٍ شعوبيّة يستبطنها التّشفّي والانتقام وإن تلوّنت بألوان دينيّة ومذهبيّة، وقد ترعرعت هذه الخرافة بعد ذلك في أحضان الدّولة الصّفويّة الّتي كانت تنطلق في خصوص هذه الأفكار من منطلقات شعوبيّة واضحة مهما سوّقت لها مبرّرات شرعيّة.
#روى أبو سعيد الميمون في كتابه المعروف بـ “مجموع الأعياد”، عن شيخه: “أبي الحسين أحمد بن محمّد بن إسحاق الجهميديّ أو الحميدي بمدينة طرابلس الشّام، يوم الأحد لليلتين بقيّتا من ذي الحجّة سنة ثمانية وتسعين وثلثمائة، قال: حدّثني أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي “نظّر الله وجهه”، قال: حدّثني أبو الحسين عليّ بن القاسم الأهوازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن محمّد بن مهران، قال حدّثني محمّد بن سنان، قال: دخلت على مولاي العالم منه السّلام، وعنده جماعة من المؤمنين العارفين الّذين قد بلغوا التّوحيد ظاهراً وباطناً، سرّاً وعلانيّة، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السّلام، وقال لي: ما حاجتك؟ فقلت: يا سيّدي قد اشتكل عليّ معرفة الأعياد العربيّة والعجميّة، والأيّام الّتي ذكرها الله في كتابه، فمنّ عليّ بمعرفة ذلك؟ فقال: يا محمّد سألت أمراً عظيماً، وخضت بحراً عميقاً، وارتقيت درجة عالية، فأسأل الله الثّبات لك على معرفة ذلك…، وبعد أن عدّ الأعياد العربيّة ووصل سياق حديث الكاتب إلى الأعياد الفارسيّة عدّ منها: يوم النّوروز، ويوم المهرجان، «ويوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل من كلّ سنة هو مقتل دلام “لعنة الله تعالى عليه”». [مجموع الأعياد: ص11].
#وبعد صفحات كثيرة في شرح الأعياد العربيّة والفارسيّة عقد المصنّف فصلاً تحت عنوان: “مقتل دلام لعنه الله”، ويُقصد منه: عمر بن الخطّاب كما هو الاسم المعروف به في التّراث النّصيري بل كما جاء في بعض مرويّات التّراث الإثني عشريّ أيضاً، وقد جاء في هذا الفصل ما يلي: «وهو اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل في كلّ سنة، وله شرف عظيم وفضائل مذكورة”، وبعد أن تناول روايات عدّة تتحدّث عن فضل هذا اليوم وأعماله وضرورة جعله عيداً ونشر هذه الثّقافة بين الموالين، نقل نفس رواية فرحة الزّهراء المعروفة والمشهورة في الأوساط الفقهيّة والحديثيّة المعاصرة، وقد جاء سندها بالنّحو التّالي:
#حدّثنا محمّد بن العبّاس الخراساني، قال: أخبرنا أبو عليّ أحمد بن إسماعيل السّليماني، قال حدّثنا الحسين بن أحمد بن شيبان القزوينيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد ابن عليّ الكمنجشي، قال: حدّثنا محمّد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمّد بن جذع البغداديّ، قال: تنازعنا في باب أبي الخطّاب، فاشتبه علينا أمره فقصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي صاحب العسكريّ “ع” بمدينة قم، فقرعنا عليه الباب…إلخ». [المصدر السّابق: ص147]، وهكذا أورد أبو سعيد الميمون كامل الرّواية كما هي موجودة في زوائد الفوائد والمحتضر وبقيّة الكتب الإثني عشريّة الّتي نقلتها.
#ومجمل القول: بعد أن عرفنا مصدر الرّواية الأصلي هو التّراث النّصيري المتقدّم بقرون على العصر الصّفوي يظهر: إنّ الرّواية وجدت فرصتها المناسبة للتّسرّب إلى التّراث الإثني عشريّ بقوّة في ظلّ الحكومة الصّفويّة وجهود فقهائها ومحدّثيها، والظّاهر إنّ الفقهاء والعلماء الإثني عشريّة الّلبنانيّين ممّن كانوا قريبين من أفكار الفرقة النّصيريّة كانوا وراء نقل هذه النّسخ والمرويّات كما سنتحدّث في دراسة مستقلّة، وقد نوّهنا فيما سبق من مقالات إلى طبيعة روايات الغلو والأساطير والخرافات المفرطة في النّسخة الواصلة من كتاب المحتضر لمصنّفه ذي الأصول الّلبنانيّة والّتي تجعله منسجماً مع المقولات النّصيريّة ومتّفق مع بعض مساراتها.
نعم؛ كان الاحتفال في هذا اليوم سائداً في إيران منذ قرون سابقة للدّولة الصّفويّة، وربّما يكون ذلك عائداً إلى طبيعة العلاقة بين الخصيبي وبين تلميذه عضد الدّولة البويهي كما يظهر ذلك في بعض الكلمات. [تاريخ العلويّين: ص198].
#وأخيراً وليس آخراً: اعتقد إنّنا تمكّنا بنحو من الأنحاء من إلقاء نظرة عامّة على تاريخ خرافة فرحة الزّهراء أو عيد بابا شجاع الدّين في الأوساط الإثني عشريّة، وأوضحنا أيضاً دور فقهاء هذا المذهب ومحدّثيه في ترسيخها وتعميقها ببركة غطاء الدّولة الصّفويّة، وقد وثّقنا المصدر النّصيري لهذه الرّواية والّذي اسدل السّتار عنه في فترة التّدوين الصّفوي وربّما للجوئهم إلى آليّة الاستناد إلى النّسخ العتيقة دون فحص وتنقيب، والمؤسف: إنّ من سرّبها إلى داخل الأوساط الإثني عشريّة قام بحذف رجال أسنادها النّصيريّة المعروفين لأسباب قد نجهلها، ولو قُدّر له أن يذكر سندها الكامل لاتّضح مصدرها من دون حاجة لمزيد عناية ولا تطلّب منّا أن نسوّد صفحات كثيرة في هذا الشّأن.
#سنحاول في الحلقات القادمة ـ بعد تفحّص مضمون الرّواية بشكل إجمالي ـ أن نتعرّض للّحظة الفقهيّة الواصلة والّتي بادر الفقهاء الإثنا عشريّة فيها إلى توظيف هذه الرّواية في بحوثهم الاستدلاليّة بغية استنباط أحكام فقهيّة مخصوصة بعد أن ابتدعوا لها مسوّغات أصوليّة، وبذلك منحوا الرّواية صكّ الغفران، وبذلك نوضح بالبرهان: الدّور الكبير للفقهاء والمراجع الإثني عشريّة في شرعنة هذه الخرافة وأضرابها وبدم بارد للأسف الشّديد انسياقاً مع أوهام الصّناعة الفقهيّة المتداولة، فترقّب.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...