خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الخامسة عشر

2 ديسمبر 2018
19
ميثاق العسر

#بعد أن بان لنا بما لا مزيد عليه خلوّ عموم نسخ كتاب مسار الشّيعة لزعيم الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” من أيّ كلام حول اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل كما فُهم من كلمات المصباح للكفعمي ووجد صريحاً في كلمات مستدرك النّوري، يتّجه الكلام بنا نحو ذكر المصدر الّذي اعتمده هذان العلمان في […]


#بعد أن بان لنا بما لا مزيد عليه خلوّ عموم نسخ كتاب مسار الشّيعة لزعيم الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “413هـ” من أيّ كلام حول اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل كما فُهم من كلمات المصباح للكفعمي ووجد صريحاً في كلمات مستدرك النّوري، يتّجه الكلام بنا نحو ذكر المصدر الّذي اعتمده هذان العلمان في النّقل، وما هو السّبب الّذي حدا بهما إلى ذكر ذلك.
#بدايةً علينا أن نتوقّف مع محطّة الكفعمي بإمعان ودقّة نظر؛ حيث نلاحظ: إنّ الرّجل لم ينسب كتاب مسار الشّيعة إلى المفيد وهو ينقل عنه السّطور محلّ البحث؛ بل قال: «روى فيه صاحب كتاب مسار الشّيعة»، وبعد أن بدأ بمناقشة هذا المرويّ بنقل كلام ابن إدريس الّذي اعتمد على نفس كتاب التّواريخ للمفيد ـ والّذي قلنا إنّه مسار الشّيعة لا غير ـ عاد ليعزّز هذا الموقف الرّافض لمؤدّى هذا المروي بنقل أقوال عدّة مؤرّخين ومصنّفين ومنهم صاحب مسار الشّيعة أيضاً؛ فإذا كان صاحب هذا الكتاب يعتقد بأنّ مقتل عمر بن الخطّاب هو في أواخر ذي الحجّة الحرام فما هو الدّاعي أن يعدّ اليوم التّاسع من شهر ربيع على استحباب الإنفاق وإطعام الطّعام والتّوسعة في النّفقة ولبس الجديد…إلخ، وهي مفردات تشير إشارة واضحة جدّاً إلى مضامين الرّواية اليتيمة الّتي هي الأساس الفقهي والحديثيّ الواصل لخرافة فرحة الزّهراء؟!
#نعم؛ ربّما يقول قائل: إنّ الاحتفال باليوم التّاسع من ربيع الأوّل ليس له علاقة بتاريخ مقتل عمر بن الخطّاب، لكنّ هذا الكلام يكذّبه الواقع التّاريخيّ المنقول والموثّق عن جمهور الإثني عشريّة في ذلك الوقت، ويدحضه أيضاً: توظيف صاحب مسار الشّيعة نفس مفردات رواية فرحة الزّهراء في عرضه لمستحبّات هذا اليوم وأشار إلى إنّه المرويّ عن الرّسول “ص” أيضاً كما هو صريح هذه الرّواية، وهذا يعني إنّ سبب التّعيّد هو باعتباره يوم مقتل عمر بن الخطّاب المفترض في الواقع الإثني عشريّ في تلك الفترة كما أسلفنا الحديث عن ذلك مفصّلاً.
#والصّحيح في حلّ هذا الاشتباه الخطير والجسيم في النّقل والّذي لم نجد قبلنا من أشار إليه وشرح حقيقته وفكّك أسبابه ووثّقها هو: إنّ الكفعمي والنّوري قد اعتمدا في نقلهم على كتاب مسار الشّيعة، لكنّه ليس نسخة أخرى من مسار المفيد كما قد يتوهّم متوهّم، وإنّما هو لإبن فهد الحلّي المتوفّى سنة: “841هـ” صاحب القبر المعروف في كربلاء، حيث كان له كتاب تحت عنوان: “التّواريخ الشّرعيّة عن الأئمّة المهديّة” جمع فيه ما طرحه المفيد في كتابه المسار وأضاف إليه بعض الأمور الّتي كان يرى صحّتها، ولأجل هذا حمل اسم مسار الشّيعة أيضاً كما يلوح ذلك من مقدّمته، وهذه الإضافة الّتي نقلها الكفعمي والنّوري موجودة في كتاب ابن فهد الحلّي لا في كتاب المفيد كما سنوثّق ذلك لاحقاً.
#نعم؛ ربّما كان الكفعمي ملتفتاً إلى هذا الأمر باعتباره لم ينسب كتاب “مسار الشّيعة” ـ الّذي نقل عنه السّطور محلّ البحث ـ إلى المفيد، لكنّ النّوري صرّح بنسبة هذا الكتاب إلى المفيد، ولعلّ سبب ذلك هو ما أشرنا إليه من اشتراك هذا الكتاب مع مسار المفيد في أشياء كثيرة حتّى في مطلع المقدّمة كما سنشرح ذلك لاحقاً.
#وبغية إيضاح هذا المعنى وتنقيطه علينا أن نستعين بكلمات التّلميذ المبرّز للمحدّث النّوري أعني به: شيخ الببلوغرافيا الإثني عشرّية المعاصر الأغا برزك الطّهراني في كتابه الذّريعة؛ حيث قال في ترجمة كتاب مسار الشّيعة للمفيد ما يلي:
«مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة، للشّيخ السّعيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد، المتوفّى سنة ثلاثة عشر وأربعمائة، وعبّر عنه النّجاشي بالتّواريخ الشرعية. أوّله: “الحمد لله على ما بصرّنا من حكمته وهدانا إلى سبيل رحمته”. ونسخة منه بخط الشّيخ الجليل زين الدين علي بن فضل بن هيكل الحلّي تلميذ ابن فهد الحلي موجودة عند سيدنا أبي الحسن صدر الدين، ومرّ بعنوان التّواريخ أيضاً، وقد طبع بإيران مع تقويم المحسنين وتوضيح المقاصد سنة: “1315”، وطُبع أيضاً مع شرح قصيدة البائيّة الحميريّة في مصر سنة: “1313”». [‏ج‏20، ص376].
#وإذا ما أردنا أن نرجع إلى الوراء وتحديداً إلى ترجمته فقرة “التّواريخ” الّذي نصّ الطّهراني في السّطور آنفة الذّكر على ذكر مسار المفيد فيها نراه يستعرض في الرّقم: “2015” عنوان: «التواريخ الشرعيّة عن الأئمة المهديّة»، ويرى إنّه: «للشيخ جمال الدين أبي العباس أحمد بن فهد الحلي المتوفّى: “841”، يوجد بخطّ تلميذه علي بن فضل بن هيكل في خزانة كتب سيدنا الحسن صدر الدين [الصّدر] في الكاظمية». ويعطف بعده مباشرة وفي نفس التّرقيم أيضاً قائلاً: «”التواريخ الشرعيّة” للشّيخ المفيد، اسمه مسار الشيعة في مختصر تاريخ الشريعة يأتي». [الذّريعة: ج4، ص475].

#نلاحظ: إنّ الأغا بزرك الطّهراني ينصّ على إنّ النّسختين من كتاب المفيد وابن فهد الحلّي موجودتان في مكتبة المرحوم حسن الصّدر في الكاظميّة، والإثنين أيضاً بخطّ تلميذ إبن فهد الحلّي: زين الدين علي بن فضل بن هيكل الحلّي، سيجزم بأنّ النّوري كان قد اعتمد عليها فيما نسبه إلى المفيد خصوصاً لمن يعرف طبيعة العلاقة والاحترام بين الصّدر والنّوري، لكنّي لا أعرف لماذا لم يلتفت المحدّث النّوري مع شدّة تتبّعه إلى مثل هذا الخطأ الفاحش، لذا احتمل: أن يكون الخطأ من أصل النّسخة الّتي كانت متوافرة في خزانة المرحوم حسن الصّدر؛ باعتبار إنّ النّسختين من المسار كانتا عنده كما أخبرنا الطّهراني في ذريعته، وبعد أن رأى النّوري إنّ الكفعمي قد نقل عن مسار الشّيعة هذا الكلام حسب إنّ ما عثر عليه في نسخة ابن فهد الحلّي هي نسخة أخرى من كتاب مسار الشّيعة للمفيد فادرجه، والله العالم.
#ويبدو إنّ نفس النّسخة المتوافرة في خزانة المرحوم حسن الصّدر من كتاب مسار الشّيعة لإبن فهد الحلّي والّذي يحمل الإضافة محلّ البحث وغيرها أيضاً كانت قد نُسخت في: شهر رجب من سنة: “1352هـ”، أي قبل رحيل المرحوم حسن الصّدر بسنتين تقريباً، وأوقفتها مكتبة العتبة الرّضويّة في مدينة مشهد الإيرانيّة بعد شرائها في تاريخ: “1950م” تحت الرّقم: “7940”، والمؤسف إنّ مفهرسي هذه النّسخة قد فهرسوها على إنّها كتاب مسار الشّيعة للمفيد، وأضافوا على نفس النّسخة بخطّ يدويّ بالفارسيّة عبارة: “مع ضميمة: تاريخ الأئمّة لإبن فهد الحلّي”، مع إنّ قراءة مقدّمة الكتاب كافية للحيلولة دون الوقوع في مثل هذه الأخطاء. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...