خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة السّابعة

21 نوفمبر 2018
1171
ميثاق العسر

#ثمّة معلومات تاريخيّة شحيحة عن قاتل عمر بن الخطاب؛ نظراً لطبيعة شخصيّته وعرقه وعمله؛ إذ لا يوجد في الكتب التّاريخية المتقدّمة سوى الإشارة إلى اسمه فيروز وكنيته أبي لؤلؤة، وإنّه إيرانيّ من أهالي نهاوند التّابعة لمحافظة همدان الإيرانيّة، أُسر في معارك الفتح الإسلاميّ في بداية السّنة التّاسعة عشر هجريّة في أيّام خلافة عمر، فصار من […]


#ثمّة معلومات تاريخيّة شحيحة عن قاتل عمر بن الخطاب؛ نظراً لطبيعة شخصيّته وعرقه وعمله؛ إذ لا يوجد في الكتب التّاريخية المتقدّمة سوى الإشارة إلى اسمه فيروز وكنيته أبي لؤلؤة، وإنّه إيرانيّ من أهالي نهاوند التّابعة لمحافظة همدان الإيرانيّة، أُسر في معارك الفتح الإسلاميّ في بداية السّنة التّاسعة عشر هجريّة في أيّام خلافة عمر، فصار من نصيب المغيرة بن شعبة، والظّاهر إنّه كان حرفيّاً يمتهن بعض الحرف اليدويّة، وكان عليه أن يدفع ضريبة ماليّة كبيرة لمولاه حسب القوانين الاجتهاديّة المتّفق عليها بين المسلمين في ذلك الوقت، وقد قيل أيضاً: إنّه عمّ المحدّث السُنّي الشّهير وعالم المدينة في حينها: عبد الله بن ذكوان، المُكنّى بـ “أبي الزّناد” المتوفّى سنة: “130أو 131هـ”. أمّا ديانته فهناك شبه اتّفاق بين المؤرّخين المتقدّمين أيضاً على إنّه ليس بمسلم؛ لكنّهم اختلفوا بين قول ذهب إلى نصرانيّته وآخر ذهب إلى مجوسيّته، كما اتّفقوا أيضاً على مصيره بعد عمليّة القتل؛ حيث نصّوا على انتحاره ومن ثمّ دفنه في المدينة.
#وقد طُرحت أسباب مختلفة لدواعي إقدامه على القتل، فقال بعضهم: دفعه كعب الأحبار نحو ذلك؛ وقال آخرون: بعض المهاجرين وزعماء قريش كالمغيرة كانوا وراء دفعه نحو صنيعته؛ وذهب غيرهم إلى: جعل الدّوافع العرقيّة والقوميّة خلف ذلك، وإنّ هرمزان قائد المعارك الأسير معه في المدينة حثّه نحو هذا الأمر، ولكلّ من هذه الأقوال مسوّغات تاريخيّة تؤيّدها ولا يهمّنا فعلاً التّعرّض لها، لكن يبدو لي والله العالم: إنّ إقدامه على القتل لا يعدو كونه مسألة انتقام شخصيّة بسبب الإهانة الّتي تعرّض لها من قبل الخليفة، باعتباره ضحيّة اجتهادات فقه القبيلة والأتاوات السّائد حتّى في الفقه الإثني عشريّ للأسف الشّديد، ولكي نقيم شاهداً على مثل هذا الاستظهار نجد من المناسب الإشارة إلى أحد السّيناريوهات المنقولة لمقتل الخليفة عمر.
#يقولون: إنّ عمر بن الخطّاب كان يحظر دخول سبيّ بالغ إلى مدينة رسول الله “ص”، لكنّ المغيرة بن شُعبة كان قد كتب إلى الخليفة من الكوفة كتاباً بأن يسمح لغلامه أبي لؤلؤة بالدّخول إلى سوق المدينة لانتفاع المسلمين به؛ باعتباره حدّاداً ونقّاشاً ونجّاراً في نفس الوقت، فقبل عمر بذلك، فجعل المغيرة ضريبة ماليّة عليه قدرها مئة دينار في كلّ شهر، فشكا أبو لؤلؤة إلى عمر ثقل هذه الضّريبة عليه، فقال له عمر: «ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل»، أي إنّ الضّريبة الموضوعة عليك تتناسب مع حجم مدخول عملك، فانصرف أبو لؤلؤة ساخطاً، وبعد ليالٍ مرّ أبو لؤلؤة بعمر فقال له الأخير: سمعت عنك تقول: «لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالرّيح»، فالتفت إليه أبو لؤلؤة عابساً فقال: “لأصنعنّ لك رحى يتحدّث النّاس بها”، فما لبثت ليالٍ إلّا وقد اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين فكمن في إحدى زوايا المسجد في الغلس حتّى خرج عمر يوقظ النّاس قائلاً: الصّلاة الصّلاة، فلمّا دنا منه وثب إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهنّ تحت السُرّة قد خرقت الصّفاق وهي الّتي قتلته، وهناك روايات أخرى في طريقة مقتله أيضاً يمكن العودة إليها في محلّه.
#وبعد هذه الحقائق التّاريخيّة المعتبرة الّتي وردت في أهمّ الكتب التّاريخيّة المعتبرة جاءت المساعي المذهبيّة الّلاحقة لتمرير مقولات تاريخيّة تخالف ما ذكر، وأهمّها ما اختاره ونقله الأفنديّ التّلميذ المبرّز لشيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1130هـ” في رسالته الّتي كتبها استجابة لرغبة البلاط الصّفوي في ذلك الحين، حيث جاء فيها نقاط كثيرة مؤسفة نذكر منها ما يلي:
#الأوّلى: إنّ أبا لؤلؤة «من أكابر المسلمين والمجاهدين، بل من خُلص أتباع أمير المؤمنين “ع”، وما قالت العامّة في ذمه لغاية عنادهم كلّه هذيان»، وإنّ أخاه ذكوان يُعدّ من أصحاب عليّ “ع”، وإنّ ابن أخيه أبا الزّناد ليس سُنّياً أصلاً، بل هو «من كبراء الشّيعة ومن زبدة أصحاب علي بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”»، وبدهيّ إنّ من كان هذا حال أخيه وابن أخيه «فهو أجلى دليل على كون فيروز المذكور أيضاً من الشيعة».[رياض العلماء، مصدر سابق: ج4، ص384].
#الثّانية: إنّ ما ذكره عموم المؤرّخين وأصحاب التّراجم من كونه نصرانيّاً أو مجوسيّاً وإنّ عمر قال بعد طعنه: “الحمد لله الّذي لم يجعل ميتتي على يد رجل يدّعي الإسلام”، لا يعدو كونه من باب العصبيّة [!!]. [التّحفة الفيروزيّة، مصدر سابق].
#الثّالثة: إنّ الدّواعي الّتي حرّكت أبا لؤلؤة لمقتل عمر هي دوافع مذهبيّة صرفة؛ باعتباره شيعيّاً شعر باستحقاق عمر للقتل وفقاً لتاريخه الجنائي ضدّ أهل البيت ع!!
#الرّابعة: إنّ أبا لؤلؤة قد دخل إلى بيت عليّ “ع” بعد قتله لعمر، وإنّ العناية الغيبيّة العلويّة قذفت به بطريقة ما إلى كاشان على فرس اسمه: “دُلدل”، ولهذا شُيّد له قبر هناك منذ قرون من الزّمن، وأصبحت الاحتفالات فيه معروفة.
#الخامسة: «لا يوجد بحث ولا شكّ لدى المحقّقين من علماء الشّيعة الإثني عشريّة من قديم الأيّام إلى يومنا في تشيّع وصلاح… أبي لؤلؤة فيروز»، «لكنّ بعض السُنّة يعدّونه كافراً، وقد تجرأ في متابعتهم في طرح مثل هذا التّوصيف جمع من جهلة الشّيعة وبعض علمائهم أيضاً خطأً أو من حيث لا يشعرون [!!]».
#السّادسة: وبعد أن حكى عن بعضهم نصرانيّته، وحكى عن آخرين ذهابهم إلى مجوسيّته، عقّب قائلاً: «وكيف كان؛ فلم أعثر على أحدٍ من علماء الشّيعة المعتبرين سواء من المتقدّمين والمتأخّرين يجزم صراحة بكفر بابا شجاع الدّين. نعم؛ نصّ المسعوديّ ـ وهو من علماء الشّيعة المعاصرين لعصر الغيبة الصّغرى ـ في كتابه مروج الذّهب على مجوسيّته، ولكنّ حيث إنّ المشهور في زمانه بين أهل السُنّة ذلك فلا بد أن يكون هذا التّنصيص متأثّراً بهم رعاية للتّقيّة [!!]، أو إنّه نقلٌ محضٌ استقاه من كتبهم دون أن يكون معتقداً به[!!]، ويُحتمل أن يكون وصفه بذلك بعلاقة ما كان، وإنّ مهم الدّليل الّذي استند إليه لإثبات كفر أبي لؤلؤة هو كلام عمر حين موته حينما قال: الحمد لله الذي جعل موتي وقتلي على يد كافر لا مسلم».
#السّابعة: نصّ على إنّ «الذّهبي والواقدي وابن أعثم وجلال الدّين السّيوطي الشّافي والحافظ آبرو وابن الجوزي الحنبلي ومحي الدّين بن عربي الصّوفي وحمد الله المستوفي القزويني وابن عبد البرّ الاندلسي المغربي ويوسف الأعور الملعون النّاصبي الواسطي والفاضل الإشبيلي المغربي وابن قتيبة الدّينوري السُنّي والميرزا مخدوم السُنّي الشّريفي وأمثال هؤلاء، يُعدّون من أعداء المرتضى عليّ “ع”، ومن الكلاب والقطط والثّعالب ومن جنس أبناء آوى [!!]». [التحفة الفيروزيّة، مصدر سابق].
#سأعود إلى التّعليق على بعض هذه النّقاط والمفردات الهابطة والمؤسفة في البحوث الّلاحقة، لكنّي أردت من خلال عرضها أن أضع المتابع النّابه إلى مدى سيطرة الرّغبات الصّفويّة على أقلام الفقهاء والمحدّثين وعلماء التّراجم الإثني عشريّة؛ وكيف تمكّن هؤلاء من فرض هيمنة الدّولة الصّفويّة على ناصية المذهب الإثني عشريّ وسوقه نحو الأساطير والتّخريفات الطّائفيّة، وبالتّالي: فإنّ صرف الإيمان بديانتهم وصلاتهم وصومهم لا يعني التّصديق بنقولاتهم دون وعيّ لدليلها واعتباره، فتدبّر. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...