خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الثّالثة

15 نوفمبر 2018
50
ميثاق العسر

#لم تكن هناك صناعة فقهيّة إثنا عشريّة تكمن وراء توجيه الأسرة الصّفويّة وبسط نفوذها في بداية تأسيس دولتهم في مطلع القرن العاشر الهجري؛ وإنّما كانت تستند الأساس إلى طبيعة العلاقة الصّوفيّة بين المُرشد ومريديه، والّتي تجعل من المرشد خليفة واجب الإطاعة بطبيعة الحال، وتسويق ذلك عن طريق نظريّة الإنسان الكامل وترشّحاتها؛ وهو امر يؤشّر إلى […]


#لم تكن هناك صناعة فقهيّة إثنا عشريّة تكمن وراء توجيه الأسرة الصّفويّة وبسط نفوذها في بداية تأسيس دولتهم في مطلع القرن العاشر الهجري؛ وإنّما كانت تستند الأساس إلى طبيعة العلاقة الصّوفيّة بين المُرشد ومريديه، والّتي تجعل من المرشد خليفة واجب الإطاعة بطبيعة الحال، وتسويق ذلك عن طريق نظريّة الإنسان الكامل وترشّحاتها؛ وهو امر يؤشّر إلى وجود علاقة عميقة بين التّشيّع الإثني عشريّة والتّصوّف والعرفان كانت قد ولدت بسبب الإحباط والعزوف عن الدّنيا الّذي ترشّح بسبب الحكومات القمعيّة والظّالمة الّتي حكمت البلاد في تلك البرهة من الوقت، وهذا حديث يُطلب من مظانّه وليس هنا محلّ ذكره.
#بعد فترة وجيزة من التأسيس وفي أواخر حكومة السّلطان إسماعيل الأوّل تحديداً شعرت الحكومة الصّفويّة بأنّ مقام الصّدارة والقضاء المرتبطين بمتابعة المسائل والأمور الشّرعيّة لا يمكن أن يمنحا إلى صوفيّ أو عارف أو حكيم؛ وذلك لأنّ طبيعة هذه الأمور بحاجة إلى فقاهة، ومن هنا بدأ الإحساس بضرورة حضور الفقهاء يفرض نفسه، فجاء حضورهم على أساس الخدمات المتبادلة بشكل تدريجي، ومع تسنّم الشّاه طهماسب الخلافة بعد أبيه وهو ابن العشر سنوات تقريباً، ازدادت وتيرة حضور الفقهاء الشّيعة الإثني عشريّة في البلاط الصّفوي؛ باعتباره مؤمناً بضرورة شرعنة أفعاله وأعماله فقهيّاً، فكان حضور هذا الصّنف من الفقهاء سريعاً جدّاً قياساً بمدّة سلطنته الطّويلة، وقد عزا بعض الباحثين هذه السّرعة العلمائيّة إلى أمرين: طلب وتمنّي السّلطان طهماسب، وظهور فقيه بقامة المحقّق الكركي، ولا ننسى أن نضيف الامتيازات الهائلة الّتي تنتظر من يدخل إلى هذا البلاط ويحقّق رغباته.
#لقد كانت الأدبيّات الفقهيّة الإثنا عشريّة السّابقة تُدرج طبيعة مشاركة فقهاء هذا المذهب بالخصوص مع السّلاطين تحت عنواني السّلطان العادل أو السّلطان الجائر، لكنّ الأمر في لحظة المحقّق الكركي تطوّر بشكل لافت؛ إذ ذهب إلى إنّ الدّولة هي من مختصّات الفقيه في عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الكبرى لمقام نيابته عن الإمام الإثني عشريّ، ومن الواضح: إنّ مثل هذه الدّعوى لا يمكن أن تنسجم مع السّلاطين الصّفويّين وبلاطهم القزلباشيّ، وعليه: فلا بدّ للكركي من إنتاج وتسويق منفذ صناعيّ يدفع هذه الحراجة، ويخوّل الفقيه إثره صلاحيّاته إلى السّلطان؛ فيكون السّلطان حينذاك نائباً أو وكيلاً له في إدارة أمور الدّولة والتّصرّف فيها، وهذا الأمر قبله السّلطان طهماسب الأوّل بوضوح وجلاء.[صفويه در عرصه دين فرهنگ وسياست، ج‏1، ص119].
#وسنقفل البحث في هذا الاستعراض التّاريخي الموجز والّذي كان ضروريّاً لإفهام ما سيلي من بحوث، ونعود إلى دور الفقهاء الإثني عشريّة في تعميق عيد بابا شجاع أو فرحة الزّهراء كما هو شائع في الأوساط الإثني عشريّة العربيّة فنقول:
لقد كان فرض المذهب الشّيعيّ الإثني عشريّ كدين رسميّ على جميع المناطق الإيرانيّة ذات الأغلبيّة السُنيّة عمل شاقّ جدّاً، وقد أفلح سيف السّلطان إسماعيل الأوّل وقمعه وقوّته في سبيل ذلك، لكنّ استمراريّته بحاجة إلى تظافر الجهود الفقهيّة من فقهاء إثني عشريّة كبار في سبيل ذلك، وفي هذا السّياق: سعى الكركي من أجل كتابة ونشر وتعميم تنظيرات فقهيّة إثني عشريّة لجملة من الممارسات المذهبيّة الرّاميّة إلى توسيع رقعة المذهب وزيادة أعداد معتنقيه، وهذا لن يكون إلّا من خلال إعادة الحياة إلى طقوس وممارسات غيّبتها التّقيّة حسب تعبيراتهم وتوليد أخرى، ومن أمثلة هذه التّنظيرات رسالته المذهبيّة المفرطة الّتي حملت عنوان “نفحات الّلاهوت في لعن الجبت والطّاغوت”، ويقصد بهما أبا بكر وعمر أو صنمي قريش على حدّ توصيف المرحوم أغا برزك الطّهراني وهو يترجم لها.
#ولكي نُلقي نظرة بسيطة ومجملة على مضامين هذه الرّسالة الصّادرة من وليّ فقيه الدّولة الصّفويّة ومنظّرها الأوّل نستعين بما كتبه الكركي نفسه في مقدّمة رسالته حيث قال: «فإنّ الله سبحانه وله الحمد والمنّة لمّا كشف الغمّة عن هذه الأمّة بتأييد الدّولة القاهرة الباهرة الشّريفة المنيفة، العالية العلويّة، الصّفويّة، الشّاهيّة، الموسويّة، أيّدها الله بالنّصر والتّمكين، وأيّدها بالملائكة والإنس والجنّ أجمعين، وجعل كلمتها العليا، وكلمة الّذين كفروا السّفلى إلى يوم الدّين، ونُكّست رؤوس أهل البدعة الّذين تسمّوا بغياً بأهل السُنّة… وليتأمّل العاقل المنصف أنّه هل يجوز أن يتولّى منصب الإمامة الّذي هو معظّم منصب النّبوّة مثل شيخ تيم الجّاهل بأمور الدّين ومواقع الشّرع بحيث يخفى عليه ميراث الجدّة ونحوه بعد أن سجد للأصنام حتّى شاب رأسه، ومثل عتلّ عديّ الزّنيم ذي الفظاظة والغلظة والمكر والخديعة المطعون في نسبه والمجتري على الرّسول في حياته وبعد موته، الّذي حكم في الدّين برأيه وغيّر الشّرع من عند نفسه، وفعل مع بضعة الرّسالة وسلالة النّبوّة ما لا يفعله ذوي الأحقاد من الجاهليّة الأولى بأعدائهم، ومثل ثور بني أميّة الّذي حملهم على أعناق المسلمين…إلخ». [نفحات الّلاهوت، نسخة خطيّة، المقدّمة].
#وفي تقديريّ إنّ هذا النّص الطّائفيّ الصّادم والمحزن صدوره ممّن هو في مقام صاحبه ومكانته يكشف كشفاً تامّاً عن إنّ أفق هذا الفقيه الإثني عشريّ وطريقة تفكيره هو المسؤول الأوّل والأخير عن جميع الممارسات الطّائفيّة القمعيّة والطّقوسيّة والفقهيّة الّتي لا زال المذهب الإثنا عشريّ يدفع ثمنها وينوء تحت ثقلها، وما لم تكشف الحوزة الكريمة عن هذه الحقائق بوضوح للنّاس وتعتذر عن أخطاء أسلافها جهاراً نهاراً ستضطرّ حينذاك إلى ممارسة نفس أسلوب الكركي الصّفويّ في فرض وصايتها، ولكنّ ظروف الكركي لن تتثنّى ولن تتكرّر، فتأمّل. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...