خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الثّانية

15 نوفمبر 2018
37
ميثاق العسر

#لم يكن التّشيّع الإثنا عشريّ يمثّل الحالة العامّة والغالبة والرّسميّة ـ وهذه قيود مهمّة ـ لجميع المناطق الإيرانيّة حتّى أيّام الدّولة الصّفويّة، بل كان محصوراً في بعض المناطق المحدودة من قبيل قم والرّي وورامين وساوة…إلخ؛ وكانت بعض المناطق الأخرى سُنيّة في الغالب على اختلاف مذاهبهم الفقهيّة تبعاً للحكومات الّتي مرّت عليهم والعلماء الّذين أثّروا فيهم، […]


#لم يكن التّشيّع الإثنا عشريّ يمثّل الحالة العامّة والغالبة والرّسميّة ـ وهذه قيود مهمّة ـ لجميع المناطق الإيرانيّة حتّى أيّام الدّولة الصّفويّة، بل كان محصوراً في بعض المناطق المحدودة من قبيل قم والرّي وورامين وساوة…إلخ؛ وكانت بعض المناطق الأخرى سُنيّة في الغالب على اختلاف مذاهبهم الفقهيّة تبعاً للحكومات الّتي مرّت عليهم والعلماء الّذين أثّروا فيهم، وبعد تسنّم السّلطان إسماعيل الصّفويّ الأوّل الحكم في البلاط الصّفوي سعى بسيفه وقمعه ومضايقاته المذهبيّة الشّديدة إلى بسط التّشيّع الإثني عشريّ على عموم المناطق الإيرانيّة، فكانت له سياسة إطلاق مسيرات يوميّة راجلة في الأزقّة والأسواق لشقّ صدر من لا يتبرأ من أعداء عليّ “ع” وفرض الإثني عشريّة بالسّيف والقوّة على عموم المناطق السُنيّة؛ وبعد استدعاء علماء جبل عامل الّلبنانيّين للبلاط الصّفوي ازداد الوضع التّبشيري تعقيداً وانتشاراً؛ فكانت هناك خدمات متبادلة ما بين السّلطان والفقيه لا تخفى على من له أدنى تتبّع لتلك الحقبة الزمنيّة الهامّة.
#وقد كان للمرحوم عليّ الكركي المعروف بالمحقّق الثّاني والمتوفّى سنة: “940هـ” الدّور الكبير في هذا الموضوع بجميع مستوياته بدءاً من أيّام السّلطان إسماعيل الأوّل وحتّى السّلطان طهماسب الأوّل؛ ولا غرو في ذلك فهو كما يصفه التّلميذ المبرَّز للمرحوم المجلسي أعني الأفنديّ صاحب الرّياض: «الشيخ الجليل الشهيد… الفقيه المجتهد الكبير العالم العلّامة الملقب بالشيخ العلائي والمعروف بالمحقّق الثاني، شيخ المذهب ومخرّب دين أهل النّصب والوصب، شارح القواعد والمعاصر للسلطان شاه طهماسب الصفوي ثاني سلاطين الصفوية. وكان “قدس سره” معظماً مًبجلاً في الغاية عند ذلك السلطان، موقراً في جميع بلاد العجم… واتّصل بصحبة السلطان، وقد عين له وظائف وادارات كثيرة، حتّى أنّه قرر له سبعمائة تومان في كل سنة بعنوان السيورغال [أموال وأراضي للإعاشة] في بلاد عراق العرب، وكتب في ذلك حكماً، وذكر فيه اسمه في نهاية الإجلال والإعظام…».[رياض العلماء: ج3، ص441].
#ويبدو لي إنّ الكركي هو الشّخص الّذي سعى جاهداً لتحويل الاحتفالات من يوم السّادس والعشرين من ذي الحجّة إلى التّاسع من ربيع، ومحاولة تعميم هذه الفكرة وغيرها إلى عموم المناطق في الدّولة الصّفويّة، لكن قبل أن نوثّق هذا الادّعاء يحسن بنا أن نتحدّث عن حقيقة عيد بابا شجاع الدّين والممارسات الّتي كانت تُقام فيه، ونعود بعد ذلك للإفاضة في تفاصيل المدافعين عن حقّانيّة هذه الممارسات في يوم التّاسع من ربيع وجعلها هي المناسبة الصّحيحة لا في يوم السّادس والعشرين كما هو المشهور والمعروف في يوم طعنه.
#إذا ما أردنا أن نستوضح حال تلك المرحلة من حيث عيد بابا شجاع الدّين كما يُسمّى في الأوساط الإيرانيّة أو فرحة الزّهراء كما هو معروف في الأوساط الإثني عشريّة العربيّة فلا يمكن أن نتجاوز النّص الهامّ جدّاً الّذي خطّه يراع العلويّ المير مخدوم الشّريفي [سبط الجرجاني صاحب شرح المواقف]، ومصنّف الكتاب المثير للجدل نواقض الرّوافض والمتوفّى سنة: “995هـ” وسنذكر نصّه كاملاً رغم طوله لما فيه من فوائد جمّة حيث قال:
#ومن عاداتهم تعيّدهم بعيد بابا شجاع الدّين، وهو أشدّ خموماً ممّا ذكر، وشناعته ممّا لا يرتاب فيه من آمن بالله المتعال، بل كلّ كافر ضال، إلّا هذه الفسقة الجهّال، أبلاهم شديد البطش بأشدّ النّكال، وتوضيحه: إنّ أهل قاشان [كاشان] زعموا أنّ أبا لؤلؤة قتل سيّدنا عمر وهرب بعد قتله وتستّر بقاشان، فأهلّوه وحرسوه، وحفظوه لتشيّعهم إلى أن مات بها وهو خارج البلد، ويعبّرون عنه بالاسم المذكور، ويقولون في وجه التّسمية: من قتل عدوّ الإسلام فهو شجاع الدّين، وبابا في العجميّة موضوع للوالد، وقد يُطلق على من فعل فعلاً جميلاً جليلاً، والإنصاف إنّ خواصّهم الواضعين لذلك كانوا يعرفون كونه كذباً صريحاً وهزلاً قبيحاً، ولعلّهم أرادوا إظهار قدم رفضه وشدّته تقرّباً إلى الشّاه الضّال، على أنّه وسيلة أخرى لهم في الوصول إلى مشتهيات النّفس الأمّارة كما سنذكر.
#وبالجملة: يجتمع أهل قاشان ـ وهي بلدة من عراق العجم بين قم وأصفهان ـ في اليوم السّادس والعشرين من ذي الحجّة يوم شهادة عمر، وقد وضعوا من العجين إنساناً في بطنه الدّبس الأحمر وسمّوه عمر، فيزعزعوه ويدوّروه بالمزامير والدّفوف وسائر آلات الّلهو والّلعب، ومع الصّياح والولولة وتكرّر سبّ الفاروق وشتمه بأقبح الأنواع وأعلى الأصوات، وهم بهذه الضّلالة والكفر من أوّل الصّباح إلى المساء، فلمّا قربوا الّليل وهمّوا بالرّجوع: يضرب بعض من أراذل أوباشهم سكّيناً أو خنجراً على بطن التّمثال المزبور، فيسيل الدّبس الأحمر من بطنه فيشربونه؛ إظهاراً للتّعطّش بدم الخليفة والإمام العادل، وهو في كاشان كالصّديق في سبزوار… وعليّ في عمّان كعمر في قاشان، فغضب الله تعالى على كلّ من سلك مسلك الشّيطان، فأبغض من خبث ذاته وكدورة باطنه أولياء الرّحمن». [نواقض الرّوافض، نقلاً عن مصائب النّواصب لنور الدّين التّستريّ: ج2، ص240؛ ولاحظ أيضاً: رياض العلماء: ج4، ص379].
#سنواصل الحديث في كشف المستور على جميع المستويات في خصوص هذه الممارسات المسمّاة بالعيد والّتي تحمل آداباً خاصّة، فترقّب.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...