حيرة زرارة ومساعي المامقاني لإنكارها!! الحلقة الأولى

9 يوليو 2019
17
ميثاق العسر

#حيرة زرارة بن أعين بمعنى جهله باسم المرجع الدّيني أو الفقهي بعد رحيل الصّادق “ع” وموته قبل معرفة ذلك من الواضحات البيّنات الّتي دلّت عليها النّصوص المتضافرة والمتعاضدة والصّحيحة أيضاً كما بسطنا الحديث فيها مفصّلاً فيما سبق، لكن حيث إنّ المرحوم المامقاني المتوفّى سنة: “1351هـ” ينطلق من قبليّات كلاميّة مذهبيّة باطلة ولا يُريد التّصديق بهذه […]


#حيرة زرارة بن أعين بمعنى جهله باسم المرجع الدّيني أو الفقهي بعد رحيل الصّادق “ع” وموته قبل معرفة ذلك من الواضحات البيّنات الّتي دلّت عليها النّصوص المتضافرة والمتعاضدة والصّحيحة أيضاً كما بسطنا الحديث فيها مفصّلاً فيما سبق، لكن حيث إنّ المرحوم المامقاني المتوفّى سنة: “1351هـ” ينطلق من قبليّات كلاميّة مذهبيّة باطلة ولا يُريد التّصديق بهذه الحيرة المدعّمة بالواقع التّاريخيّ والرّوائي والرّجاليّ الجزمي القاضي بحيرة خُلّص أصحاب الصّادق “ع” بعد رحيله في تحديد اسم المرجع الدّيني أو الفقهي الّذي يليه، لم يصدّق بموت زرارة غير عارف بشخص إمام زمانه، وحاول الاحتيال على هذه الحقائق المسلّمة بطرح وجه غريب لنفي ذلك وافتراض إيمان زرارة بإمامة الكاظم “ع” وتعرّفه عليه، مدّعياً إنّ ذلك ممّا ألهمه الله تعالى به، وخلاصته ما يلي:
#لقد نصّ الطّوسي والنّجاشي وغيره من الخاصّة والعامّة ـ حسب تعبيره ـ على وفاة زرارة سنة: “150هـ”، كما أنّ الصّادق “ع” توفّي سنة: “148هـ”، وبين وفاة الاثنين إمّا سنة وأشهر أو ثلاث سنين إلّا يسيراً، وعلى هذا الأساس: «فكيف يُعقل بقاء زرارة في هذه المدّة المديدة متردّداً؟! وكيف يبقى عبيد هذه المدّة غير مطمئن بشي‏ء حتّى يرجع؟! ومن هنا فلا بدّ من حمل الأخبار النّاصّة على موت زرارة قبل وصول نجله عبيد على غير محمل، خصوصاً بعد أن نصّ الطّوسي في رجاله على عدّ زرارة من أصحاب الكاظم “ع”؛ إذ لو كان قد مات قبل جزمه بإمامته فضلاً عن روايته عنه فكيف عدّه من أصحابه؟! نعم روى الكشّي موت زرارة بعد الصّادق “ع” بشهرين، لكنّ هذا لا اعتماد عليه في قبال تصريح من عرفت بموته في سنة مائة وخمسين[تنقيح المقال: ج1، ص442، ط حجريّة]، وعن طريق هذا البيان حاول أن ينسف موضوع الحيرة وينفيها من الأساس!!
#لكنّ هذا الكلام فاسد؛ وذلك لوجوه كثيرة أبرزها:
#أوّلاً: بعد اعتراف المامقاني بتضافر وتعاضد أخبار إرسال زرارة ابنه إلى المدينة للتّحقيق باسم خليفة الصّادق “ع” وموته قبل عودته إليه، وإنّ المناقشة في أسناد الأخبار بتلك الأوصاف لا وجه له [تنقيح المقال: ج1، ص442]، أقول: بعد هذا الاعتراف فلا معنى بعدئذ لمساعيه التّمسّك بتنصيص الطّوسي والنّجاشي على وفاته سنة: “150هـ” ومن ثمّ رفع اليد عن مفاد تلك الرّوايات والحيرة بعدها في كيفيّة تفسير بقائه كلّ هذه المدّة بلا إمام أصلاً؛ لأنّ هذا ترجيحاً للرّاجح الصّحيح السّند على المرجوح، ومن هنا كان المرحوم الشّوشتري المتوفّى سنة: “1416هـ” محقّاً حينما عرّض بالمرحوم المقامقاني قائلاً: «لو كان قال بدل ذلك: إنّ في الخبر [خبر موت زرارة بعد شهرين من وفاة الصّادق “ع” أو أقلّ] دلالة على عدم صحّة قول الشّيخ [الطّوسي] في الرّجال والنّجاشي: «إنّ زرارة مات سنة مائة وخمسين» كان حسناً؛ فانّ قولهما يستلزم بقاءه بعده “ع” سنتين أو أكثر أو أقلّ بقليل؛ لأنّه “ع” توفّي سنة: “148هـ”، ويعاضد هذا الخبر الأخبار المتقدّمة المستفيضة من الكشّي وغير الكشّي [النّاصّة على] أنّ زرارة مات قبل رجوع عبيد الّذي أرسله للتّحقيق». [قاموس الرّجال: ج4، ص441]، خصوصاً وإنّ من نصّ على هذا التّاريخ بما فيهم النّجاشي قد أخذ ذلك من الطّوسي أيضاً.
#ثانياً: أبدى المامقاني بعد صفحات قليلة من كلامه آنف الّذّكر استغرابه من عدّ الطّوسي لزرارة في أصحاب الكاظم “ع” مع عدم وجود رواية له عنه في المجاميع الحديثيّة، قائلاً في بيان ذلك: «إنّك قد عرفت أنّ الشيخ [الطّوسي] “رحمه الله” عدّ زرارة من أصحاب الكاظم “ع”، وقد عرفت في آخر المقام الأوّل أنّ تاريخ موت زرارة ووفاة الصادق “ع” يساعد على ذلك، وأنّ الأخبار الناطقة بإرساله ابنه عبيداً بعد وفاة مولانا الصّادق “ع” لتعيين الإمام “ع” بعده وموته قبل رجوعه ينافي ذلك، وقد تصفّحنا وسائل‏ الشّيعة الجامعة لأخبار الكتب الأربعة من البدو إلى الختام في أيّام متتالية، فلم نجد لزرارة عن أبي الحسن موسى [الكاظم] “ع” رواية واحدة، ولا يُعقل روايته في غير الفروع وعدم روايته في الفقه، مع كونه عمدة فنّه، ولا يصدق كونه من أصحاب الكاظم “ع” مع عدم روايته عنه» [تنقيح المقال: ج1، ص445].
#ثالثاً: إنّ قلت ـ كما هي الطّريقة الحوزويّة الخاطئة الاستخدام ـ : عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود؛ فربّما روى ولم يصلنا ذلك!! فأقول: نحن لم ندّع عدم الوجدان لكي يُقال لنا بعدم دلالته على عدم الوجود، بل ادّعينا وجدان العدم؛ وذلك لأنّ رواية فقيه شيعيّ كبير كزرارة بن أعين عن موسى الكاظم “ع” ابن العشرين سنة وسؤاله إيّاه عن مسألة فقهيّة أو عقائديّة وسفره للمدينة في آخر أيّام حياته حدثّ مهمّ في ظلّ تلك الظّروف العصيبة، ولكانت دواعي نقلها ـ خصوصاً من قبل أبنائه السّبعة ـ متوفّرة ولازمة، مع أنّ الأمر ليس كذلك، بل لم تثبت رواية أحد من أبنائه رغم التّنصيص على جلالة قدر بعضهم عنه “ع” أصلاً سوى ما نُسب إلى رومي ولم تثبت أيضاً، وهذا مؤشّر آخر على تحفّظ الأب وأولاده على إمامة الكاظم “ع” بشكل صارخ جدّاً، خصوصاً لمن يعرف تحفّظات زرارة على الصّادق “ع” أيضاً.
#رابعاً: ما تقدّم يضعنا أمام خيارين، فإمّا أن نعيد النّظر في دعوى موت زرارة سنة: “150هـ” وترجيح الرّأي الّذي رواه الكشّي بإسناده عن عليّ بن رئاب من موته بعد شهرين أو أقل من تاريخ وفاة الصّادق “ع” [ص354]، وإمّا أن نجمع بينه وبين ما رواه عن ابن فضّال من موته بعدها بسنة ونحو منه [ص455] ، وذلك بأنّ يُقال: إنّ الفاصلة بين رحيل الصّادق “ع” أواخر سنة: “148هـ” ووصول خبر ذلك إلى الكوفة ومن ثمّ إرسال عبيد إلى المدينة ومكوثه فيها للتّحقيق ومن ثم عودته بعد موت والده بمقدار لا تتجاوز السّنة وشهرين مثلاً، كأن يكون موت زرارة في محرّم سنة: “150هـ” مثلاً، وإلّا فالصّحيح على كلا الحالتين هو ما قرّرته الرّوايات المتضافرة والصّحيحة في التّنصيص على وفاته قبل عودة نجله وهو المطلوب.
#خامساً: ربّما يُقال كما قيل أيضاً: «أنّه يكفي في كونه من أصحاب الكاظم “ع” دركه له ولو يوماً ولو بدون رواية؛ فصرّح الشّيخ [الطّوسي] في أوّل رجاله بأنّ من أدركهم “ع” ولم يرو عنهم “ع” يعنونه في أصحابهم وفي من لم يرو» [قاموس الرّجال: ج4، ص441]، وعلى هذا الأساس: فادراك زرارة لأيّام أو شهور من حياة الكاظم “ع” بعد أبيه وتنصيص الطّوسي على كونه من أصحابه لا دلالة فيه على ثبوت روايته عنه فضلاً عن دلالته على تسليمه بإمامته الإلهيّة أو الفقهيّة، على أنّ مرتكزات ادراج الطّوسي للرّاوي في أصحاب الرّسول أو الإمام غير بيّنة ولا مبيّنة أيضاً؛ ولا دلالة فيها على إيمان الرّواي بإمامته، ولا على ثبوت الرّواية عنه، فضلاً عن دلالتها على وثاقته؛ لوجود نقوض كثيرة، والحديث التّفصيلي في طريقة تصنيف الطّوسي يُطلب من مظانّه. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
الإمامة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...