حيرة زرارة ومساعي المامقاني لإنكارها!! الحلقة الثّانية

9 يوليو 2019
92
ميثاق العسر

#سادساً: نحن لا نريد أن نفسّر الواقع الحاصل بعد رحيل الصّادق “ع” وموت زرارة بما هو هو، وإنّما نُريد من خلاله تظهير كاشفيّته التّامةّ عن عدم تنصيص الصّادق “ع” على إمامة الكاظم “ع” ولا غيره أيضاً، وهذا المقدار يكفي في الكشف عنه حيرة خُلّص أصحابه وضلالهم وضياعهم بعد رحيله خصوصاً وهم القناة الرّسميّة الحصريّة لإيصال […]


#سادساً: نحن لا نريد أن نفسّر الواقع الحاصل بعد رحيل الصّادق “ع” وموت زرارة بما هو هو، وإنّما نُريد من خلاله تظهير كاشفيّته التّامةّ عن عدم تنصيص الصّادق “ع” على إمامة الكاظم “ع” ولا غيره أيضاً، وهذا المقدار يكفي في الكشف عنه حيرة خُلّص أصحابه وضلالهم وضياعهم بعد رحيله خصوصاً وهم القناة الرّسميّة الحصريّة لإيصال صوته للقواعد الجماهيريّة، ويدلّ عليه أيضاً: الواقع الرّوائيّ الصّحيح، والتّصنيفات الرّجاليّة الإثني عشريّة، وعلى هذا الأساس: فمع ثبوت أنّ زرارة أرسل ابنه عبيداً إلى المدينة للتّحقيق في الأمر بمعزل عن شخوص المدّعين للإمامة، فلو كان للرّسول رواية واحدة عن الكاظم “ع” حتّى لو كانت رواية التّحقيق عينها لكان المفروض أن تُسجّل وتُتناقل كما سجّلت لنا صحيحة هشام بن سالم ـ عندهم ـ طبيعة الأسئلة الّتي وجّهها لعبد الله الأفطح وإخفاقه في تجاوزها، والمفروض: إنّ مثل هذه الرّواية ستنتشر وتتوفّر دواعي نقلها بكثرة أيضاً؛ لكونها مرتبطة بأمرٍ مصيريٍّ وهامٍ جدّاً، مع أنّ الثّابت عدم رواية عبيد ولا رواية واحدة عن الكاظم “ع”.
#سابعاً: إنّ موت زرارة قبل رجوع ابنه وجهالته بشخص الإمام الّذي يلي الصّادق “ع” يؤكّد بما لا مجال للشّك فيه إنّ مقولة: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة” إمّا أن تكون باطلة من الأساس، وإمّا أن تُفسّر بغير الطّريقة الإثني عشريّة من ضرورة معرفة شخص الإمام وعقد القلب على الإيمان بإمامته، ومن هنا لم يجد أصحابنا ـ المتمسّكون بالنّظريّة الإثني عشريّة وعرضها العريض والمؤمنون بجلالة قدر زرارة ـ من حلّ لتمييع هذه الحيرة إلّا من خلال بيانين مشهورين:
#البيان الأوّل: التّوسّل بالخبر المكذوب الّذي رواه المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” أثناء منافحته مع الفرقة الزّيديّة، والّذي هو صحيح السّند وفقاً لمقاييسهم؛ حيث أقرّ الرّضا “ع” فيه حيرة زرارة وإرسال ولده إلى المدينة للتّحقيق، لكنّه فسّر موقف زرارة بالتّقيّة، وإنّ مغزى إرسال ابنه إلى المدينة لم يكن للفحص عن إمام زمانه، بل لأجل الوقوف على إمكانيّة السّماح له بكشف اسمه لسائليه بعد أن كان يعرف اسمه.
#البيان الثّاني: لا يجب على من عاصر الصّادق أو غيره من الأئمّة “ع” أن يعترف بأكثر من إمامته وإمامة من قبله من الأئمّة أيضاً، أمّا معرفة من بعده من الأئمّة أو إنّ هناك إثني عشر إماماً، فهذه المسائل لم تكن من الضّروريّات في تلك الأعصار، ولم يكن هناك إلزام عليهم ليتعلّموها أيضاً، كما أنّ الظّروف لم تكن تساعد لطرح مثل هذه المعتقدات في جميع مواطن الخلوة والجلوة، وإنّ الشّيء الوحيد الملزمين به من هذا الحيث هو: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة”، وقد كانت سيرة الشّيعة في تلك الأعصار من أجل تحديد من هو الإمام الّلاحق أن يذهبوا إلى امتحانه والاستفسار منه؛ فإذا رأوا أن علمه غير عاديّ أو إنّ له جهات غير عاديّة وتتوفّر فيه علامات الإمام خاصّة، فيكتشفون إمامته حينذاك، وفي هذا السّياق جاءت الرّوايات الكثيرة النّاصّة على إرسال زرارة ابنه إلى المدينة ليعرف من هو الإمام من بعده الصّادق “ع”.
#ويلاحظ على هذين البيانين:
#أمّا الأوّل: فمضافاً إلى كونه خلاف السّيرة القطعيّة والنّصوص الجزميّة الكاشفة عن حيرة كبار الأصحاب وضياعهم، ومضافاً إلى كونه خلاف التّصنيفات الرّجاليّة الّتي وضعت كبار الرّواة وأعاظمهم في خانة الفطحيّة واستمرار هذه الفرقة عقود طويلة بعد رحيل الكاظم “ع” أيضاً، أقول مضافاً إلى كونه خلاف ذلك واعتماده تأويليّة مذهبيّة فاضحة: فقد أوضحنا في دراسات سابقة منحوليّة هذا الخبر، وإنّه من تفرّدات المرحوم الصّدوق المذهبيّة الّتي رواها عن راو همدانيّ مجهول ترضّى وترحّم عليه، كما إنّ رواية هذا الهمداني هي من تفرّداته عن عليّ بن إبراهيم القمّي أيضاً، مع أنّ كتب القمّي كانت منتشرة ومعلومة وموزّعة في قم وغيرها، وقد روى عن الكليني ما يقرب من نصف الكافي دون أن يورد مثل هذه الرّواية مع أهمّيتها البالغة والأساسيّة.
#أمّا الثّاني: فإنّ هذا البيان وإن كان واقعيّاً ومنسجماً تمام الانسجام مع الواقع التّاريخيّ والرّوائيّ والرّجاليّ الجزمي النّاص على وقوع الحيرة في تلك المرحلة، لكنّ أمامه مشكلة عميقة جدّاً لا يمكن أن يوفّق في حلّها، وهي: إنّ الدّعاوى الحديثيّة المتأخّرة والمُدّعى تواترها تقرّر: إنّ اسماء الأئمّة كانت معلومة واضحة ومنصوص عليها من قبل الرّسول “ص”، والأكثر غرابة من ذلك إنّها مرويّة عن رواة مصنّفين رجاليّاً على فرق زيديّة أو جاروديّة أو فطحيّة أو واقفيّة…، ومقتضى روايتها عنهم ثبوت فسقهم وضلالهم وانحرافهم وعنادهم، مع أنّ بعضهم منصوص على عدالته ووثاقته فكيف التّوفيق، وهذا يؤكّد ما قلناه فيما سبق: إنّ هذا الصّنف من الأخبار من نحت الأدلّة ما بعد الوقوع، مع أنّ أصحاب هذا البيان لا يقبلون بذلك حسب الظّاهر، بل يرون سلامتها وصحّتها.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ حيرة زرارة بن أعين بعد رحيل الصّادق “ع” وموته دون معرفة شخص المرجع الدّيني أو الفقهي من بعده ثابتة مهما طالت فترة حياته في زمن الكاظم “ع” أو قصرت، وإنّ من يُريد تمييع حيرته عليه أن لا يقصر النّظر في قراءته على روايات حيرته ليحصرها في مسألة جزئيّة هامشيّة عابرة، بل عليه أن ينظر إلى الواقع التّاريخيّ الثّابت لتلك المرحلة والمنعكس بشكل جليّ وواضح على التّصنيفات الرّجاليّة، ولهذا لم يُخطئ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” حينما قال في مقدّمة فهرسته: «إنّ كثيراً من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة»، لكنّ المؤسف إنّه لم يجعل هذه الحقائق خير منبّه على ضرورة إعادة النّظر بلباسه الإثني عشريّ الّذي فصّله القمّيّون له أخيراً، فتأمّل كثيراً وميّز بين الدجّال الكاذب والعالم الصّادق، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الإمامة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...