حوارٌ بين أبي قتادة ومنكر ونكير

27 أكتوبر 2016
946

يقول علماء أصول الفقه: (إن القطع حجّة)؛ فلو وصل إنسان من خلال الفحص والتنقيب، واتّباع الطُرق الموضوعيّة والمتعارفة، إلى يقينٍ بأن الشراب الذي أمامه عصيراً محلّلاً، فشربه، ولكنّه كان في واقع الأمر شراباً مسكراً يُحرم عليه شربه، ففي مثل هذه الحالة ينصّ الأصوليّون على أنّه غير مؤاخذ أمام الله سبحانه وتعالى، ولا عقوبة عليه أصلاً؛ لأن القطع معذّر ومنجّز، وحجيّة القطع واليقين حكمٌ أدركه العقل كما يقولون. وهذا المثال البسيط يعمّمه علماء الأصول إلى جميع الأفعال الإنسانيّة؛ فكلّما تيقّن الإنسان بحليّة شيءٍ أو بحرمته عن طريق القنوات (الموضوعيّة) و(المبرّرة)، فلا شكّ في أن الله تعالى سيتعامل معه وفق قطعه لا وفق الواقع المخالف.
وبناءً على هذا المبنى الأصولي السائد والمشهور بين علماء أصول الفقه الشيعة وغيرهم، سنُقدّم للقارئ مثالاً عمليّاً واقعيّاً، بصياغة قَصَصيّة حواريّة، بين الانتحاري أبي قتادة كما سنطلق عليه، وبين منكر ونكير، الملائكة الشداد الغلاظ الذين استقبلوه في عالم البرزخ كما يُصطلح عليه؛ نطلّ من خلال هذا المثال إلى المسوّغ الذي تقدّمه المباني الكلاميّة والأصوليّة والفقهيّة لكثير من حركات التطرّف مهما اختلف صوّرها وألوانها.
بين أبي قتادة ومنكر ونكير
بعد أن أَزهَقَ أبو قتادة أرواح مئات الأبرياء من الطائفة الشيعيّة من خلال اقتياده سيّارةً مفخّخةً حملت كميّات كبيرة من المتفجّرات، تلاشت إثرها أجزاء القتلى من الكهول والشباب والرضّع والنساء وذراً وذراً، بالإضافة إلى تلاشي جثّته أيضاً، ولم يتبق في مكان الحادثة غير الخراب والدمار. فاستقبلته في عالمه البرزخي ملائكةٌ غلاظ شداد، خاطبته وهي تنظر إليه شزراً: تبّاً لك يا أبا قتادة وترحاً؛ ما الذي سوّغ لك هذا العمل الإجرامي الرهيب؟! أ لم تتحرّك مهجتك وأنت ترى خفّة الغلمان المدلّلين الأبرياء في طريقهم إلى المدرسة؟ أ لم يرفّ قلبك وأنت ترى بسمات الرضّع في أحضان أمهاتهم؟! ألم يقرع سمعك قول ربّ العزّة إذ يقول: (ومن قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض، فإنّما قتل الناس جميعاً)، ألم تصلك النداءات السماويّة التي دعت إلى التسامح والعفو وبثّ السلام؟!
فأجابهم أبو قتادة مسرعاً وهو ينشب بأظافره مهلوساً: مهلاً مهلاً ملائكة ربّي، ما هكذا تورد الأبل، أ لم يمرّ عليكم قوله تعالى حين يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب…)؟!، ألم تقرأوا قوله: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كُلّه لله…)؟!
لاح على وجه منكر ونكير التذمّر والامتعاض من جدال أبي قتادة، ونظر كلّ منهما إلى الآخر باستغراب، وعرفا أن من يخاصمانه ليس إنساناً عاديّاً يمكن تهويله وإقناعه بالحقّ ببساطة، وقد أوصتهم التعليمات أن يرفقوا بالمستضعفين، ويتركوا لهم المجال للحديث عن السبب الذي دعاهم لذلك… نعم حدّثنا يا أبا قتادة، كيف سوّغت لك نفسك ذلك؟
استوى أبو قتادة جالساً وبدأ يشرح لهم المقدّمات التي أوصلته إلى هذه النتيجة بهدوء ورويّة، وقال: أ لم تقرأوا يا ملائكة ربّي: كلمات علماء أصول الفقه التي تقول: إن القطع حجّة على صاحبه؟ وها أنا قاطع وجازم ومتيقّن بأن هذا العمل الذي تصفونه بالإجرامي سيدخلني الجنّة، ويقرّبني إلى الله سبحانه وتعالى، وكنت أحسب إنّي بمجرّد إزهاقي لأرواح هؤلاء سأجد رسول الله محمد وشهداء بدر وأحد يستقبلونني بالتكبير والتهليل، وينتظرونني على مائدة الشهداء في سبيل الله، كنت اتلهّف لمعانقة الحور العين والولدان الذين بشرنا القرآن بهم، لكن خيبتي لم أجد ما كنت أحسب، ويبدو إن القطع لا يُري صاحبه الواقع.
أجابه نكير وقد كان حاذقاً في علم أصول الفقه: لكنك تعلم يا أبا قتادة إن القطع الذي يُسوّغ لصاحبه العمل على أساسه هو: القطع الذي يتكوّن من مبرّرات موضوعيّة، لا ما يُصطلح عليه بـ (قطع القطّاع) الذي لا يكون عن فحص وتنقيب ودراسة وتعلّم صحيح، بل يحصل من أي سبب اتّفق، ويبدو إن قطعك لم يكن موضوعيّاً، وكان ينبغي عليك أن تُعمل عقلك، وتحلّل الأمور قبل أن تُقدم على هذا العمل الخطير؟!
وجد أبو قتادة نفسه مضطّراً للحديث التفصيلي مع هؤلاء الملائكة الشداد الغلاظ؛ بغية تبرير عمله، وتقديم مبرّرات القطع الذي حدا بهم لذلك؛ فالحديث معهم من برجٍ عاجيٍّ سيؤدّي لا محالة إلى تسليط الآف العقارب والأفاعي عليه، وعليه أن يشرح لهم أسباب نشوء هذا العلم واليقين والقطع لديه… أجل؛ لقد نشأتُ في مكّة المكرّمة يا ملائكة ربّي، من أبٍ وأمٍّ يتبعون السلف الصالح في ممارساتهم الدينيّة، ورأيت الناس تهرول للصلاة في خمسة أوقات، ويقرأون القرآن عن حفظٍ برقّة وصوت حزين، ودرست في المدارس الإسلاميّة، واتّبعت تعاليم القرآن في ضرورة الحثّ والسؤال، وضرورة التوحيد وعدم الشرك والابتداع في الدين، وقرأت سيرة الصحابة الذين استشهدوا بين يدي رسول الله محمد بن عبد الله، وكيف قدّموا أعمارهم في نشر الإسلام وتأصيله، وسيرة الخلفاء في مواجهة المرتدين والباغين، وهكذا سألت مشايخنا الكبار، وأخبروني إن الروافض مبتدعون في الدين، يسبّون صحابة رسول الله ويلعنونهم، يتهجمون على أمّ المؤمنين عائشة ويطعنونها بشرفها، طالعت كتبهم التي وقعت في يدي فوجدت فيها سبّ أهل السنّة وتكفيرهم، ووجدت إن التقيّة عندهم ضرورة لإظهار غير ما يبطنون، يقولون نحن أخوتكم في الله، ولكنّهم يعاملونا معاملة الكافر في كتبهم الفقهيّة، ويعبّرون عنّا بمسلمي الدنيا وكفّار الآخرة، نحن عندهم أنجس من الكلاب، وأشرّ من المجوس، يجوّزون هجاؤنا وسبّنا والتعريض بنا ولعننا، ولا يجوّزون لأبنائهم أن يعطوا الزكاة لنا، ولا يسمحون لهم أن يكفّنونا ويدفنونا إلا للتقيّة…، لا أطيل عليكم الحديث وأنتم أعرف به منّي يا ملائكة ربّي… وهكذا ذهبت وسألت مشايخنا في المساجد التي تربّينا فيها فأخبروني: إن قتل الرافضي وإعدامه هو تأشيرة دخول إلى الجنّة مباشرة؛ وهذه هي ثقافة مجتمعيّة عندنا ليست وليدة اليوم، بل هي تراكم مئات السنين، وليس لدينا شكّ فيها، وقد رأيت كثيراً من أصحابي وأصدقائي على هذا الطريق، فتيقّنت بأنّه طريق الشهادة الذي لا مفرّ منه، فوطّنت نفسي لهذا العمل، فالتحقت بالمجاميع الجهاديّة، وفجّرت نفسي بين جمع من الروافض المشركين، الذين أوصتنا التعاليم الدينيّة بقتلهم.
صُعق منكر ونكير من هذا الحال، وبدأ ينظر كلّ منهما إلى الآخر باستغراب؛ كان الصمت سيّد الموقف في تلك الّلحظات، فماذا عليهم أن يجيبوه بعد أن استمعوا هذه الحجّة؟!
قطع الصمت منكرٌ ليخاطب نكير قائلاً: كان ينبغي (من) ربّ العزّة أن يزلزل قطع أبي قتادة، وأن يزرع الشكّ في داخله ليحتمل الخطأ في مثل هذا القرار الخطير، لا أن يدعه يُزهق أرواح مئات الأبرياء القاطعين بالحقّ أيضاً، أ ليس هذا فحوى قاعدة الّلطف الكلاميّة التي درسناها معاً في بدايات دراستنا الدينيّة يا نكير؟!
أجابه نكير: أترك ما درسناه يا منكر؛ علينا أن نفكّر في الحيرة التي حلّت بنا حالياً؛ فهل نعاقب أبا قتادة الذي أقدم على هذا العمل الإجرامي الكبير؟ أم علينا محاسبة الذي وجّهه وحرّضه نحو هذا الأمر؟ أم أن النصوص التي ولّدت ثقافة الكراهيّة والتطرّف هي من تقف وراء ذلك؟ أم هي مسؤوليّة القراءات الخاطئة للنصوص بالإضافة إلى المباني الكلاميّة والأصوليّة والفقهيّة التي ولّدت ثقافة التطرّف في عمق الأمّة إلى أبعد الحدود؟! وكيف ما يكون يا منكر، علينا أن نخاطب الجهات العليا عن حكم هذه الحالة المستعصيّة، ليحدّدوا لنا من هو الأولى بالعذاب؛ لكنّ إلى متى يدفع الأبرياء أرواحهم ضريبة لمثل هذه الحماقات؟!…).
أقول: ما أردت تصويره في هذا الحوار المقتضب هو واقع يتّكأ على مجموعة مبانٍّ ونصوص كلاميّة وأصوليّة وفقهيّة ربّما تكون مشتركة بين جميع الفرق والمذاهب الإسلاميّة، وما ندفع ثمنه الآن وفي المستقبل هو وليد شرعي لهذه النصوص والمباني، وما لم يستجب المعنيّون لصرخة الضمير والوجدان فسيحلّ بأمتنا الويل والثبور، والمؤسف إن نصوص الشيعة ومبانيهم تمنح السنّة ذريعة لتكفيرهم، كما أن نصوص السنّة ومبانيهم تُعطي للشيعة مبرّراً لتكفيرهم أيضاً، وما لم يُقرأ الدين الإسلامي عموماً (بمصادره ورموزه وأدبيّاته…) قراءة مقاصديّة أخلاقيّة كما هو واقعه، فلا يمكن أن ننهي هذا النزاع المسلّح على الإطلاق، وسيُقدّم كلّ طرف مبّررات موضوعيّة لتشكّل القطع لدى الآخر بكفره وشركه، وعلينا التفكير الجدّي في رفع، أو تحجيم، أو إزالة النصوص، والمباني التي تفضي به إلى هذه النتيجة؛ فيجود بنفسه لأجلها، نعم هذا الأمر لا يمكن أن يكون بيوم وليلة، بل يحتاج إلى عشرات ومئات السنين إلى أن يبدأ أثره في الثقافة المجتمعيّة، ولكن مسيرة الألف عامّ تبدأ بخطوة كما يقولون؛ فلماذا نُسهم في تكوين قطع أبي دجانة أصلاً، ونفكّر بعد ذلك على استحياء في كيفيّة زلزلته؟!


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...