حقيقة من لحق بي استشهد!!

2 سبتمبر 2019
425
ميثاق العسر

#روى صاحب كتاب كامل الزّيارات المنسوب لابن قولويه المتوفّى سنة: “368هـ” بإسناده المعتبر عندهم عن زرارة بن أعين، «عن أبي جعفر [الباقر] “ع” قال: كتب الحسين بن علي من مكّة إلى محمّد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمّد بن علي ومن قبله من بني هاشم: أما بعد فإن من […]


#روى صاحب كتاب كامل الزّيارات المنسوب لابن قولويه المتوفّى سنة: “368هـ” بإسناده المعتبر عندهم عن زرارة بن أعين، «عن أبي جعفر [الباقر] “ع” قال: كتب الحسين بن علي من مكّة إلى محمّد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمّد بن علي ومن قبله من بني هاشم: أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسّلام». [كامل الزّيارات: ص75].
#وقد تمسّك أصحاب نظريّة الشّهادة بهذا النّصّ الرّوائيّ لتعميق رؤيتهم القاضية: بأنّ الحسين بن عليّ “ع” كان يعلم بشهادته الحتميّة في كربلاء قبل خروجه من المدينة إلى مكّة ومن ثمّ إلى العراق، بمعنى: إنّه “ع” كان يمارس دور الممثّل البارع في جميع الأدوار الّتي قام بها من إرسال الرّسل والمفاوضات…إلخ.
#ولنا في المقام بعض التّعليقات:
#الأوّل: المنهج الاجتهاديّ المختار في بشريّة حركة الحسين بن عليّ “ع” من المدينة وحتّى نهاية حياته يُسقط مثل هذه النّصوص عن الاعتبار؛ وذلك: لتنافيها مع طبيعة الحركات البشريّة الّتي مارسها الحسين “ع” والّتي لم تضع احتمال الشّهادة بهذه الطّريقة الجزميّة أمامها البتّة؛ بدءاً من الخروج إلى مكّة والمكوث فيها لشهور عدّة في قراءة الأوضاع ودراستها، مروراً بإرسال الرُسل واستلام الأجوبة وبيعة آلاف من أهل الكوفة له، وانتهاءً بأحداث الطّريق ومفاوضاته مع الحّر من أجل العودة ومع عمر بن سعد من أجل تجنّب سفك قطرة دم واحدة…إلخ، إنّ مثل هذه الأمور الجزميّة والواضحة والمعلومة والمشهورة تمنعنا بشدّة من التّصديق بأمثال هذه النّصوص المولودة بعد واقعة كربلاء بعقود أو قرون، ولأسباب مذهبيّة معروفة.
#ثانياً: حكى ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” عن كتاب الرّسائل للكليني ـ والّذي لم تصل نسخته إلى غيره حسب الظّاهر ـ الرّواية بإسناده «عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله [الصّادق] “ع” قال: ذكرنا خروج الحسين “ع” وتخلّف ابن الحنفية عنه، فقال أبو عبد الله [الصّادق] “ع” يا حمزة، إنّي سأحدثك بحديثٍ لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا، إنّ الحسين “ع” لما فصل متوجهاً أمر بقرطاس وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي “ع” إلى بني هاشم، أمّا بعد، فإنّه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح، والسّلام». [الملهوف: ص65].
#ثالثاً: بقرينة ما حكاه ابن طاووس نحتمل جدّاً أن تكون هذه النّصوص متأتّية في ضوء الموقف السّلبي الشديد من محمّد بن الحنفيّة في الموروث الإثني عشريّ؛ حيث حمل هذا الموروث موقفاً سلبيّاً منه في سياق تشييد نظريّة الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة، ولا غرو في ذلك؛ فقد نحتت روايات تتحدّث عن منافسة حول الزّعامة بين السجّاد “ع” وعمّه محمّد بن الحنفيّة واحتكامهم إلى الحجر الأسود في سبيل ذلك، بل عمدوا إلى نقل نصوص روائيّة تذمّه على لسان رواة عُرفوا بالولاء له، وبالتّالي: فمثل هذه النّصوص وليد طبيعي للموقف السّلبي من ابن الحنفيّة من قبل أنصار نظريّة الإمامة الإلهيّة الطّوليّة في بطن حسينيّ خاصّ.
#رابعاً: قلنا في دراسات سابقة إنّ الإمامة الشّيعيّة الإلهيّة بصيغتها الّتي تولّدت في عصر نشوء المذاهب في أيّام الصّادقين “ع” وصيغتها الأثني عشريّة المتأخّرة لم تكن موجودة ولا حاضرة في أيّام محمد بن الحنفيّة لكي يُقدم الأخير على إنكارها؛ كما إنّ الصّورة النّمطيّة الرّاكزة في أذهاننا عن فلسفة واقعة كربلاء وشخوصها لم تكن موجودة ولا حاضرة في تلك الأزمنة أيضاً لكي يُحاسب محمد بن الحنفيّة عن سبب تخلّفه عنها، وما لم نمسك بهذا المفتاح الواقعي وغير المذهبي بأيدينا سنبقى نلفّ وندور ونأوّل في سياق عمليّات نحت الأدلّة ما بعد الوقوع دون فكّ عُقد الإشكاليّات العقديّة والفقهيّة الكبيرة الّتي تواجهنا في هذا الطّريق الشاقّ.
#خامساً: نحن لا نتعقّل الرّواية المباشرة للباقر “ع” عن جدّه الحسين بن عليّ “ع” أصلاً؛ وذلك لكونه لم يتجاوز الأربع سنوات في لحظة مقتله، وإذا كانت عن طريق أبيه السجّاد “ع” فرغم عدم وجود شاهد على ذلك في الرّواية نفسها لكنّا لا نتعقّلها أيضاً؛ وذلك لأنّ هذا النّصّ يدينه بشدّة؛ إذ كيف يمكن لإبن الحسين الأكبر أن ينقل نصّاً يدين فيه عمّه وبقيّة بني هاشم لعدم الالتحاق بأبيه من أجل الشّهادة، مع أنّه شاهد رأس أبيه مرفوعاً على القنا مع عمّه وبقيّة أخوانه وأولاد عمومته وأصحاب أبيه ولم يحرّك ساكناً أصلاً بل وبايع يزيد على خلافة المسلمين أيضاً بعد ذلك!! وإذا كانت هناك مبرّرات جسمانيّة أو فقهيّة تُطرح للسجّاد “ع” لتجاوز هذه العقبات شديدة الوعورة أمام أنصار نظريّة الشّهادة فلتُطرح عين هذه المبرّرات لعمّه ابن الحنفيّة أيضاً.
#سادساً: في ردّنا للنصّ الرّوائيّ أعلاه لا نمارس انتقائيّة أو تبعيضاً؛ بل هو متأتٍّ من منهج ورؤية؛ ويُشبه ردّنا للرّواية الصّحيحة أو الموثّقة عندهم والّتي رووها عن زرارة نفسه؛ حيث سأل الباقر “ع” ذات يوم عن إدراكه للحسين بن عليّ “ع”، فأجابه: «نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام، وقد دخل فيه السيل، والناس يتخوفون على المقام، يخرج الخارج يقول: قد ذهب به السيل، ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه، قال: فقال “ع” لي: يا فلان، ما صنع هؤلاء؟ قلت: أصلحك الله يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام. فقال “ع”: ناد إن الله قد جعله علماً، لم يكن ليذهب به، فاستقروا» [الكافي: ج4، ص223؛ الفقيه: ج2، ص243]؛ حيث أوضحنا في دراسات سابقة عدم معقوليّة أصل هذا الحوار مع صبيّ لم يتجاوز الرّابعة بل وعدم نقل المؤرّخين لسيل وقع في مكّة ذلك الوقت، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...