جواز النّظر إلى سيقان المرأة المراد الزّواج منها!!

9 يوليو 2019
24
ميثاق العسر

#في سياق طبيعة نظرة الإسلام الفقهيّ للمرأة لم يتردّد السّيد السّيستاني “حفظه الله” المولود سنة: “1349هـ” في الإفتاء بجواز النّظر إلى محاسن المرأة الحرّة المُراد الزّواج منها جدّاً، ومثّل لذلك بـ: “وجهها؛ وشعرها؛ ورقبتها؛ وكفّيها؛ ومعاصمها؛ وساقيها؛ ونحو ذلك”، ونصّ على أنّ حليّة النّظر غير مرهونة بإذنها ورضاها أصلاً، كما وأجاز تكرار النّظر إذا لم […]


#في سياق طبيعة نظرة الإسلام الفقهيّ للمرأة لم يتردّد السّيد السّيستاني “حفظه الله” المولود سنة: “1349هـ” في الإفتاء بجواز النّظر إلى محاسن المرأة الحرّة المُراد الزّواج منها جدّاً، ومثّل لذلك بـ: “وجهها؛ وشعرها؛ ورقبتها؛ وكفّيها؛ ومعاصمها؛ وساقيها؛ ونحو ذلك”، ونصّ على أنّ حليّة النّظر غير مرهونة بإذنها ورضاها أصلاً، كما وأجاز تكرار النّظر إذا لم يحصل الاطّلاع عليها في المرّة الأولى. [منهاج الصّالحين: ج3، ص15، المسألة: 28].
#وما ذكره السّيستاني رغم كونه غير مفتى به ولا متداول بجميع أمثلته ـ سوى الوجه والكفّين ـ في الواقع الإثني عشريّ المتديّن فضلاً عن مشهور باقي المسلمين؛ إذ سيتعامل أهل البنت مع خاطب بنتهم الّذي يطلب منهم رؤية ساقيها وشعرها ورقبتها بطريقة ربّما ستؤدّي إلى إراقة دمه خصوصاً في الأجواء العشائريّة، إلّا أنّه منسجم تمام الانسجام مع النّصوص الرّوائيّة الّتي تتعامل مع المرأة معاملة السّلعة السّوقيّة الّتي تتأثّر بطبيعة الحال بقوانين السّوق ورغبات وأمزجة النّاس وميولهم.
#ولكي نفتح هذا البحث ونجعله أفضل كوّة لاكتشاف فلسفة الحجاب الفقهي علينا إيضاح بعض جوانبه الرّوائيّة فنقول: وقع البحث بين الفقهاء الإثني عشريّة ـ ولا يعنيني غيرهم فعلاً ـ في مقدار النّظر والّلمس الممكن شرعاً بالنّسبة لمن قصد شراء جارية أو أراد الزّواج من حرّة، على أنّ هذا النّزاع في خصوص الأمة أو الجارية يختصّ بحالة ما إذا كان النّظر والّلمس من دون إذن صاحبها، كما إذا دخل أحدٌ إلى سوق النّخاسة مثلاً وأراد الشّراء، أمّا مع إذنه فلا كلام في جواز ذلك، ويدور الأمر حينذاك مدار سعة الإذن الّذي يبيح حتّى الوطأ أيضاً، وهذا خارج عن محلّ البحث.
#أمّا في الإماء فالأمر بيّنٌ جدّاً؛ وذلك لصراحة النّصوص الإثني عشريّة الدّالة على ذلك والّتي أفتى الفقهاء على أساسها أيضاً؛ فقد روي عن أبي بصير إنّه استفسر من الصّادق “ع” «عن الرّجل يعترض الأمة ليشتريها؟» فأجابه قائلاً: «لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها ويمسّها ما لم ينظر إلّا ما لا ينبغي له النظر اليه»، كما رووا عن الصّادق “ع” قوله: «لا أحبّ للّرجل أن يقلّب جارية إلّا جارية يريد شراءها»، وهذا يعني: إنّ تقليب وفحص الجارية المُراد شراؤها سيرة متعارفة وطبيعيّة جدّاً بين متدّيني المسلمين في تلك الأيّام، بل نلحظ أكثر من ذلك؛ فقد جاء في الرّواية الصّحيحة عندهم قول الحبيب بن المعلّى الخثعمي للصّادق “ع” ذات يوم: «إنّي اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت؟ فقال: أما لمن يريد الشّراء فليس به بأس، وأمّا من لا يريد أن يشترى فإنّي أكرهه»، وأخيراً: روي عن عليّ “ع” بإسناد موثّق أو صحيح عند المرحوم الخوئي وبعض تلامذته القول: «إنّه كان إذا أراد أن يبتاع الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها».
#أمّا في خصوص الحرّة فالأمر فيها واضح أيضاً؛ فقد رووا عن عليّ “ع” قوله: «لا بأس أن ينظر الرّجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوجها؛ إنما هو مستام [أي طالب شراء]، فإن يقض أمر يكن»، وجاء عن الصّادق “ع” القول حينما سأله عبد الله بن سنان عن: «الرّجل يريد أن يتزوج المرأة أ ينظر إلى شعرها؟ فقال: نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن»، وجاء عنه “ع” أيضاً بعد أن سأله رجل قائلاً: «أ ينظر الرّجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها ومحاسنها؟ قال: “لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذاً”، وسأل محمّد بن مسلم الباقر “ع” قائلاً له: «سألت أبا جعفر “ع” عن الرّجل يريد أن يتزوج المرأة أ ينظر إليها؟ قال: نعم؛ إنّما يشتريها بأغلى الثمن»، وأخيراً: جاء في سؤال يونس بن يعقوب الصّادق “ع” قوله له: «الرّجل يريد أن يتزوج المرأة يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: نعم، وترقّق له الثّياب؛ لأنه يريد أن يشتريها بأغلى الثّمن»، وهناك نصوص أخرى أيضاً يمكن العودة إليها في مظانّها.
#ومن الواضح إنّ هناك فرقاً بين الأمة والحرّة في النّصوص الرّوائيّة في مقدار الأعضاء المنصوص عليها في جواز النّظر، لكنّ الغريب إنّ المرحوم الخوئي نصّ على تجويز النّظر إلى سيقان الحرّة المخطوبة ليس لكونها من المحاسن فقط، وإنّما لما ورد في رواية كشف عليّ “ع” عن سيقان الجارية قبل شرائها؛ مبرّراً ذلك بالأولويّة [مباني العروة: ج1، ص24]، ووجه الغرابة: إنّ الأصل الرّوائيّ المبيح لذلك بخصوصه مختصّ بالإماء دون الحرائر، ومن ثمّ: فإنّ الحكم بتسرية هذا الحكم إلى الحرّة مشكل جدّاً، لكن مع هذا نلاحظ وجود تباين ما بين البحث الاستدلالي لدى المرحوم الخوئي مع ما قرّره في مقام الإفتاء؛ فرغم دفاعه عنه في مقام الاستدلال واختياره له لكنّه لم يعكس ذلك صريحاً على فتواه في منهاج الصّالحين وقصر الأمر على جواز النّظر للحرّة والأمة فقط دون أن يدخل في مقدار ذلك. [منهاج الصّالحين: ج2، ص259، المسألة: 1232].
#أمّا السّيستاني فقد تابع أستاذه المرحوم الخوئي في أصل جواز النّظر إلى عموم محاسن المرأة بما فيها السّيقان، والظّاهر ـ بقرينة ربط الجواز بالمحاسن وتذييل الأمثلة بمفردة ونحوها ـ إنّ السّيستاني لم يستند إلى رواية كشف عليّ “ع” عن سيقان الجارية المُراد ابتياعها في تجويز النّظر إلى سيقان الحرّة، وإنّما قصر استدلاله على ذلك برواية إباحة النّظر إلى المحاسن، وبالتّالي فلم يجد مانعاً من تعميم الجواز إلى غيرها من المحاسن أيضاً.
#وكيف كان؛ فإنّ الاقتصار على جواز النّظر إلى سيقان المخطوبة لا موجب له أيضاً لمن يؤمن بمرجعيّة هذه الرّوايات في مقام الإفتاء؛ فإنّ عموم أعضاء المرأة اليوم تُعدّ من المحاسن الّتي تدخل في تحديد حُسنها مواصفات عالميّة خاصّة، وبالتّالي فالانسياق مع هذه الرّوايات يقتضي الإفتاء بجواز النّظر إلى جميع محاسن المخطوبة سوى العورة بمعناها الخاصّ والّتي قد يُقال بخروجها بدليل خاصّ مثلاً، ومن هنا كان السّيستاني دقيقاً ومنسجماً مع هذا النّمط من التّفكير حينما ذّيل أمثلته للمحاسن المسوّغ النّظر إليها بمفردة ونحوها، فتأمّل.
#ما تقدّم كان إطلالة سريعة وعاجلة على طبيعة النّظرة الفقهيّة للمرأة المُراد الزّواج بها بل وفلسفة الحجاب المفروض عليها، وهي تؤكّد بما لا مزيد عليه أيضاً: إنّ المشرّع الإثني عشريّ لا يتعامل مع المرأة في الأساس إلّا على أساس أنّها سلعة جنسيّة تُباع وتُشترى، ومن الطّبيعي أن يحرص المشتري على فحص سلعته والتّأكّد من سلامتها، ومن هنا جاءت النّصوص والفتاوى منسجمة مع هذا الأساس، ولكن الغريب في البين: إنّك حينما تسأل هؤلاء الأئمّة وكذا المراجع الّذين أفتوا على أساس نصوصهم وتقول لهم: هل تقبلون أن تظهروا محاسن بناتكم ـ ولا حاجة لطرح الأمثلة ـ إلى خاطبهنّ باعتباره سائماً يشتريهنّ بأغلى الأثمان؟! لا شكّ في أنّهم سيزأرون ويرعدون، ويقولون لك: نحن قوم لا نفعله، ولكن لماذا يجوّز ذلك ـ بل ويحبّب ـ لأولاد الخايبة فقط؟! فتأمّل كثيراً كثيراً عسى أن تصحو من سكرتك المذهبيّة العميقة، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...