جهود الوكلاء في تثبيت إمامة الإمام!!

#روى الكليني والكشّي والصّدوق بإسنادهم عن سعيد بن أبي الجّهم عن النّصر بن قابوس قوله: «قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر [الكاظم “ع”] إنّي سألت أباك [الصّادق “ع”] من الّذي يكون بعدك فأخبرني إنّك أنت هو، فلمّا توفّي أبو عبد الله “ع” ذهب النّاس يميناً وشمالاً وقلت فيك أنا وأصحابي. فأخبرني: من الّذي يكون من بعدك؟ فقال: أبني فلان [كما نقل الكليني] أبني عليّ [كما نقل الكشّي والصّدوق]» [الكافي: ج1، ص313؛ الكشّي: ص747؛ العيون: ج1، ص31].
#أقول: هذه الرّواية أحدى الّروايات الّتي يستدلّ بها القوم لإثبات تنصيص الصّادق “ع” على إمامة ولده موسى الكاظم “ع” من بعده، ويعتبرون إسنادها عن طريق الصّدوق صحيحاً ولا غبار عليه، وحينما نتفحّص السّجل الّروائي للنّصر بن قابوس نجد إنّ مرويّاته المباشرة عن الصّادق “ع” لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وإن توثيق الكشّي له يستند إلى نفس الرّواية أعلاه حيث استكشف منها: «منزلة الرجل من عقله واهتمامه بأمر دينه…[!!]»، ويدّعي الطّوسي إن المرويّ هو: إنّ ابن قابوس كان وكيلاً للصّادق “ع” لمدّة عشرين سنة ولم يعلم أحدٌ بوكالته وكان خيّراً فاضلاً. [الغيبة: 347]…
#لكنّي لا أدري لماذا يتجاوز الصّادق “ع” خُلّص أصحابه الكبار والملتصقين به في الّليل والنّهار من أمثال محمد بن مسلم وعبد الله بن بكير وعمّار السّاباطي وهشام بن سالم ومؤمن الطّاق… إلخ في مسألة عظيمة افترقت شيعته بعده إثرها إلى ستّ فرق، وأحدثت انقسامات دينيّة ومذهبيّة لا تحمد عقباها، يتجاوز جميع هؤلاء ولا يُخبرهم باسم خليفته والإمام من بعده وهم الّذين رووا آلاف الرّوايات عنه والّتي تتعبّد بها الشّيعة إلى هذا اليوم، ويُخبر شخصاً لم يرو عنه سوى بضع روايات، ولا نعلم من هو وأين هو سوى دعوى الطّوسي بأنّه كان وكيلاً سريّاً لمدّة عشرين سنة ولا ندري ماذا سيستفيد النّاس كلّ هذه الفترة الطّويلة من وكيل لا يعلمون بوكالته؟! على إنّ دعوى وجود وكلاء بالمعنى المصطلح للوكالة في زمن الصّادق “ع” تعوزها الشّواهد ويكذّبها التّاريخ كما سنتحدّث عن ذلك لاحقاً.
#جميع هذه الأمور وغيرها أيضاً: تكشف بوضوح عمّا أكّدناه فيما سبق من إنّ الإمامة بالمعنى الشّيعي المتداول وعرضها العريض لم تكن تمتلك وضوحاً وشفّافيّة لا بين أذهان الخُلّص من أصحاب الأئمّة المتقدّمين والمتوسّطين “ع”، ولا بين نصوص نفس هؤلاء الأئمّة وسيرتهم المحكمة، وإنّما هي جهود كلاميّة وأصوليّة وفقهيّة… لاحقة تبعت بالدّرجة الأساس اهتمامات الرّواة وطموحات الوكلاء وتجاذباتهم، والله من وراء القصد.
#ملاحظة تنويريّة: إنّ توثيق الشّيخ المفيد للنّصر بن قابوس في كتابه الإرشاد يأتي في سياق حسن ظنّه المفرط بالأصحاب؛ لذا تأمّل الوحيد البهبهاني في توثيقاته؛ كما إنّ ما ذكره النّجاشي لا يعدو الاتّكاء على ما ذكره الكشّي والطّوسي أيضاً، ولو كان غير ذلك لبان، من هنا نتمنّى أن لا يثقل الأخوة المعلّقون التّعليقات بمثل هذه الكلمات، ويركّزوا على الأفكار والإثارات الأصليّة التّي حملها المقال، آخذين بعين الاعتبار جميع المقالات والإثارات السّابقة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...