جدليّة أدلّة المهدويّة وطبيعة الأفق الّذي ولدت فيه!!

#لا يمكن للباحث الّذي يريد أن يفهم ولادة المهدي “ع” وغيبته [بالقراءة الشّيعيّة الأثني عشريّة المتداولة] فهماً دقيقاً وسليماً من دون التّوقّف الفاحص على استدلالات المتكلّمين الشّيعة الّذين عاصروا عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الصّغرى؛ إذ من خلالها يستكشف طبيعة الجّهود الجّدليّة المُسوّقة لتمرير هذه الفكرة أوّلاً، وطبيعة الأفق والتّوقعات الّتي كانت تحكم الشّيعة وعلماءهم في ذلك الوقت ثانياً، ولكي ندعّم كلامنا بالشّواهد الواضحة نقدّم نصّاً هامّاً حرّره أبو سهل النّوبختي “311هـ” المتكلّم الشّيعي الشهير بعد ثلاثين سنة من غيبة المهدي “ع” المفترضة، يجيب من خلاله على الاعتراضات الّتي سجّلها المناوؤن لغيبته من خلال تشبيههم إيّاها بالغيبة الكاذبة الّتي آمن بها الواقفيّة بخصوص موسى بن جعفر الكاظم “ع”، فقال:
#ومذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت [وهو يتحدّث بعد ثلاثين سنة من غيبته المفترضة] لا يشبه مذهب الممطورة [الواقفة] في موسى بن جعفر؛ لأنّ موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفاً ومضى لموته أكثر من مائة سنة وخمسين سنة، لا يدعي أحد إنّه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم إنّه حي فيه اكذاب الحواسّ التي شاهدته ميتاً، وقد قام بعده عدة أئمّة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى، وليس في دعوانا هذه غيبة الإمام [المهدي] اكذاب للحسّ ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول ولا تخرج من العادات، وله إلى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين إنّه باب إليه وسبب يؤدي عنه إلى شيعته أمره ونهيه، ولم تطل المدة في الغيبة طولًا يخرج من عادات من غاب، فالتصديق بالأخبار يوجب: اعتقاد إمامة ابن الحسن» [كمال الدّين وتمام النّعمة: ج1، 93].
#أقول: يهمّني في هذا النّص المُقلق فقرتين:
#الأولى: «إن موسى مات ظاهراً ورآه النّاس ميّتاً ودفن مكشوفاً ومضى لموته أكثر من مائة وخمسين سنة»، وهذا الكلام سليم ولا شكّ فيه، ولكن ولادة نجل للحسن العسكري “ع” ما كانت واضحة ولا جليّة ولا بيّنة ولا مبيّنة لعموم النّاس في تلك المرحلة؛ فوضوح بطلان الأولى لا يثبت معقوليّة الثانية إلّا بعد الإيمان بأصل ولادة صاحبها بدليل حاسم؛ إذ لو كان لبان.
#الثّانية: نلاحظ إنّ النوبختي استدلّ على معقوليّة غيبة الإمام بعدم تجاوزها الحدّ المعقول والطّبيعي للغيبات المتعارفة ويقصد ثلاثين سنة حسب ما أفاد أو ما يزيد عليها بقليل، فإذا عرف النّوبختي إنّ الإمام قد طالت غيبته لحدّ الّلحظة: “1178” سنة فما هو جوابه حينئذ؟!
#كلّ هذا وغيره ممّا سنذكر يكشف عن إنّ أدلّة المهدويّة بالقراءة الشّيعيّة لم تكن في تلك المرحلة تعدو كونها أدلّة كلاميّة جدليّة لإسكات الطرف الآخر مؤقّتاً، ولم تكن شيعة ذلك الوقت تعي وتتوقّع غيبة الإمام أكثر من فترة نصف قرن في أكثر الأحوال على الإطلاق، وتبريرات السّفراء لغيبته وإنّها بسبب الخوف على حياته أو لكي لا يبايع السّلطان أوضح دليل على ذلك، وهو أمر أحرج متكلّمي الشّيعة ومحدّثيهم كثيراً بعد ذلك حين استتبّت الأوضاع لفترة ما بصالح الشّيعة، وهذا ما ألجأ المعنيّين إلى استحداث أدلّة تعبويّة جديدة والتّوسّل بأدوات عرفانيّة وفلسفيّة لردم هذه الهوّة الكبيرة، وسنعمّق هذه الفكرة بشواهد لاحقة إن شاء الله تعالى.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...