جابر بن حيّان شخصيّة وهميّة خياليّة!!

26 فبراير 2018
4169
ميثاق العسر

#نتفاخر كثيراً ونتمشدق على غيرنا بأنّ الإمام جعفر بن محمد الصّادق “ع” هو المؤسّس لعلم الكيمياء؛ وإنّ الغرب لم يعرف هذا العلم إلّا بعد تعرّفه على آثار تلميذه المبرّز جابر بن حيّان ومؤلّفاته، لكن الغريب إنّنا حينما نراجع كلمات كبار المصنّفيين المتقدّمين من الشّيعة الإثني عشريّة كالنّجاشي والطّوسي وأضرابهم لا نجد عيناً ولا أثراً لجابر […]


#نتفاخر كثيراً ونتمشدق على غيرنا بأنّ الإمام جعفر بن محمد الصّادق “ع” هو المؤسّس لعلم الكيمياء؛ وإنّ الغرب لم يعرف هذا العلم إلّا بعد تعرّفه على آثار تلميذه المبرّز جابر بن حيّان ومؤلّفاته، لكن الغريب إنّنا حينما نراجع كلمات كبار المصنّفيين المتقدّمين من الشّيعة الإثني عشريّة كالنّجاشي والطّوسي وأضرابهم لا نجد عيناً ولا أثراً لجابر بن حيّان بالمطلق، مع إنّ المفروض بأمثالهم أن يذكروا ولو إشارة بسيطة لهذا الرّجل ومنجزه المعرفي الكبير!!
#وحينما أراد المرحوم الشّوشتري أن يبرّر عدم ذكر النّجاشي والطّوسي لاسم جابر مع وجود اسمه في فهرست ابن النّديم المتوفّى سنة: “385هـ” بادر لاتّهام شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” بالغفلة عن ذلك، مدّعياً إنّ الأخير قد اكتفى بمراجعة باب متكلّمي الشّيعة وفقهائهم في فهرست ابن النّديم دون باب الكيميائيّين الّذي جاء ذكر اسمه فيه على حدّ تعبيره!! كما اتّهم النّجاشي المتوفّى سنة: “450هـ” بالغفلة أيضاً، بل نصّ على احتماليّة عدم اطّلاعه على فهرست ابن النّديم أصلاً وإنّ ما نقله عنه في مورد واحد كان نقلاً عن الطّوسي!! وبعد هذه الغرابة عاد ليختم حديثه بعبارة نقلها عن جرجي زيدان دون ذكر مصدرها تقرّر ما يلي: «وعن جرجي زيدان المتتبّع المعروف أنّه قال في مجلّة الهلال: إنّه من تلامذة الصادق، وإنّ أعجب شي‏ء عثرت عليه في أمر الرجل: إنّ الاروبيّين اهتمّوا بأمره أكثر من المسلمين والعرب! وكتبوا فيه وفي مصنّفاته تفاصيل، وقالوا: إنّه أوّل من وضع أساس الشيمي الجديد؛ وكتبه في مكاتبهم كثيرة، وهو حجّة الشرقي على الغربي إلى أبد الدهر» [قاموس الرّجال: ج2، ص507].
#وعندما رأى المرحوم الخوئي عدم وجود عين ولا أثر لجابر في كلمات متقدّمي الرّجاليين لم يجد بُدّاً من تقليد المرحوم الشّوشتري في نقل عبارة جُرجي زيدان في تعريف جابر دون ذكر مصدر للعبارة ولا لنقله كما هي عادته في نقولاته من قاموس الرّجال، فقال في معجم رجال حديثه: «جابر بن حيّان، الصوفي الطرسوسي، أبو موسى من مشاهير أصحابنا القدماء، كان عالماً بالفنون الغريبة، وله مؤلّفات كثيرة أخذها من الصادق “ع”، وقد تعجّب غير واحد من عدم تعرّض الشيخ، والنجاشي لترجمته، وقد كُتب في أحواله، وذكر مؤلفاته كتب عديدة من أراد الاطلاع عليها فليراجعها، قال جرجي زيدان في مجلة الهلال على ما حكي عنه…». [معجم رجال الحديث: ج4، ص328].
#والمؤسف إنّنا لم نعثر ـ في حدود المتابعة ـ على العبارة الّتي حكاها المرحوم الشّوشتري وبتبعه المرحوم الخوئي عن جرجي زيدان حول جابر، بل وجدنا ما يلوح بما يتناقض مع الاعتقاد السّائد بكون الصّادق “ع” هو مصدر تلك العلوم حيث قال زيدان: «لا خلاف في إنّ العرب هم الّذين أسّسوا الكيمياء الحديثة بتجاربهم ومستحضراتهم… وإنّ أوّل من اشتغل في نقلها إلى العربيّة خالد بن يزيد [بن معاوية بن أبي سفيان]، نقلها عن مدرسة الاسكندرّية وعنه أخذ جعفر الصّادق المتوفّى سنة: “140هـ” [!!]، وبعده جابر بن حيّان، ثمّ الكندي، فأبو بكر الرّازي وغيرهم، فاكتشفوا كثيراً من المركّبات الكيمياويّة الّتي بنيت عليها الكيمياء الحديثة، وقد ذكر محقّقو الافرنج: إنّ العرب هم الّذين استحضروا ماء الفضّة “حامض النّتريك” وزيت الزّاج “الحامض الكبريتك” وماء الّذهب الحامض “النيتروهيدروكلوريك”…». [تاريخ التّمدّن الإسلامي، جرجي زيدان: ج3، ص185].
#وفي الحقيقة إنّ وجود تلميذ شيعيّ للصّادق “ع” باسم جابر بن حيّان أمر لا يمكن إثباته بل هو أقرب للخيال والوهم المذهبي منه إلى الحقيقة خصوصاً لمن يرجع إلى طبيعة ترجمته في فهرست ابن النّديم بالإضافة إلى وصفه بالكوفي، وإن أبيت ذلك فإنّنا نشكّك بقوّة في تلمذته لدى الصّادق “ع”؛ وذلك لأنّ طبيعة التّلمذة الكيمياويّة تستدعي مستحضرات ومختبرات معيّنة نجزم بعدم ممارسة الصّادق “ع” لها، ومن هنا فلا تعجب إذا سمعت بعض أكابر أهل العلم والورّاقين ـ على حدّ تعبير ابن النّديم وإن رفض ذلك ـ إذا ما ذهبوا: إلى إنّ جابر بن حيّان ما هو إلّا شخصيّة أسطوريّة خياليّة لا واقع لها رغم وجود مئات الرّسائل باسمه في المكتبات الغربيّة والإسلاميّة، لكن حيث إنّ معاصري تلك المرحلة كانوا يخشون من الاتّهام بالكفر والزّندقة إذا ما نشروا هذه الأمور باسمائهم فاخترعوا شخصيّة وهميّة اسمها جابر بن حيّان ومرّروا تراجمهم وآثارهم المتأخّرة زماناً عن الصّادق “ع” بفترة طويلة عن طريقها، وقد مال بعض المستشرقين وبعض الحوزويّين المعاصرين إلى هذا الرأي أيضاً [السيّد أحمد المددي زميل وتلميذ السيّد السيستاني نموذجاً]، فتأمّل؛ لا في هذه القضيّة الجزئيّة فحسب، وإنّما في أنواع الأساطير المذهبيّة الّتي مُرّرت عليك لقرون طويلة، والله من وراء القصد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...