تغيّر القرآن تبعاً للمعطيات الآنيّة!!

19 يناير 2020
90
ميثاق العسر

#روى البخاريّ المتوفّى سنة: “256هـ” بإسناده الصّحيح عندهم، عن البراء بن عازب، إنّه قال: «لما نزلت: “لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله”، قال: النّبي “ص”: ادع لي زيداً، وليجئ بالّلوح والدّواة والكتف أو الكتف والدّواة، ثمّ قال: اكتب “لا يستوي القاعدون” وخلف ظهر النّبي “ص” عمرو بن أم مكتوم الأعمى، قال: يا […]


#روى البخاريّ المتوفّى سنة: “256هـ” بإسناده الصّحيح عندهم، عن البراء بن عازب، إنّه قال: «لما نزلت: “لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله”، قال: النّبي “ص”: ادع لي زيداً، وليجئ بالّلوح والدّواة والكتف أو الكتف والدّواة، ثمّ قال: اكتب “لا يستوي القاعدون” وخلف ظهر النّبي “ص” عمرو بن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله فما تأمرني؟! فإنّي رجل ضرير البصر! فنزلت مكانها: “لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضّرر». [صحيح البخاري: ج6، ص184].
#كما روى أحمد بن حنبل المتوفّى سنة: “241هـ”، بإسناده المعتبر عندهم، عن خارجة بن زيد، إنّه قال: قال زيد بن ثابت: إنّي قاعد إلى جنب النّبيّ “ص” يوماً إذ أُوحي إليه، قال: وغشيته السّكينة، ووقع فخذه على فخذي حين غشيته السّكينة، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئاً قطّ أثقل من فخذ رسول الله “ص”، ثمّ سُرِّي عنه، فقال: اكتب يا زيد، فأخذت كتفاً، فقال: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين…الآية كلّها، إلى قوله: أجراً عظيماً. فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن مكتوم وكان رجلاً أعمى، فقام حيث سمع فضيلة المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممّن هو أعمى وأشباه ذلك، قال زيد: فو الله ما مضى كلامه أو ما هو إلّا أن قضى كلامه، غشيتْ النّبيّ “ص” السّكينة، فوقع فخذه على فخذي فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرّة الأولى، ثمّ سُرِّي عنه، فقال: اقرأ: فقرأت عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، فقال النّبي “ص”: غير أولي الضّرر. قال زيد: فألحقتها، فوالله لكأنّي أنظر إلى مُلحقِها عند صدعٍ كان في الكتف». [مسند أحمد: ج35، ص51؛ كما روي المضمون مع اختلاف في بعض الألفاظ في مصادر أخرى من قبيل: صحيح البخاري: ج4، ص24، ص25؛ ج6، ص47، ص48؛ صحيح مسلم: ج6، ص43؛ السّنن الكبرى للنّسائي: ج4، ص270].
#ويحسن بنا أن نقدّم بعض الأسئلة والملاحظات:
#الأوّلى: هل كانت السّماء تعلم أنّ عمرو بن أمّ مكتوم الأعمى يقف خلف رسول الله “ص” أثناء نزول هذه الآية عليه أو صدورها منه أم كانت غافلة عن ذلك؟! وإذا كانت تعلم بوجوده فما هي فلسفة هذا المشهد الدّرامي ـ وفقاً لنقل زيد ـ مثلاً؛ حيث كان بإمكانها تقييد الخطاب منذ البداية كي لا تحصل مثل هذه الاعتراضات، الّلهم إلّا أن يُقال كما قيل أيضاً: إنّ النّصوص القرآنيّة من إنشاءات النّبيّ “ص” وصياغاته، وبالتّالي: فحينما وجّه له الأعمى الاعتراض كان عنده مجال للمراجعة وإعادة صياغة النصّ وتقييده كما هي طريقة الفقيه الّذي يضطرّ لتقييد فتاواه لإخراج حصّة خاصّة لا يُريد شمول طبيعيّ الحكم لها، وهذا يعني إنّه يعمل بالمحاولة والخطأ ووفقاً للحوادث الطّارثة أمامه، وهذا الكلام غير مقبول عندهم بالمرّة.
#الثّانية: ربّما يحاول بعضهم تفسير هذه الأحداث من خلال إثارة موضوع قِدَمِ كلام الله وحدوثه والخلاف العميق الحاصل بين المسلمين في تلك الفترة، بدعوى: أنّ هذا الخطاب القرآنيّ بصيغته المعدّلة بعد اختيار كونه قديماً ـ كما هو رأي مشهورهم ـ يوجب علينا الالتزام بتقرّره منذ القِدَم بهذه الطّريقة والصّيغة، وما حصل من مواقف روائيّة منقولة إنّما هي معدّات خارجيّة لتبرير نزوله فقط!! لكنّا نرى أنّ جميع هذه البحوث إنّما هي بحوث كلاميّة بعديّة لاحقة ناشئة من أصل فاسد في تفسير حقيقة الإلوهيّة وصفاتها، وقد تأثّرت بطبيعة الحال من النّصوص القرآنيّة والنبويّة نفسها، ولا نعتقد بصلاحيّة مثل هذه التّفاسير لتفسير الحكاية الّتي كشفت عنها النّصوص أصلاً.
#الثّالثة: نحن لا نعلم الطّريقة الّتي يسلكها الرّسول “ص” لمعرفة صحّة ما يُمليه على زيد بن ثابت لهذه الآية؛ إذ لا شكّ ولا شبهة في أنّ أيّ كتابة من يدٍ غير معصومة تحتمل حصول الخطأ فيها دون شكّ وريب، فكيف نجزم بقطعيّة التّطابق ما بين النصّ المقروء والمكتوب خصوصاً مع ملاحظة طريقة إلحاق التّقييد الّذي نزل مؤخّراً والّذي قرّره زيد بقوله: «فوالله لكأنّي أنظر إلى ملحقتها عند صدع كان في الكتب»، هذا في آيات قصيرة أمثال هذه الآية، فكيف والقرآن المتداول يحتوي على أكثر من ستّة آلاف آية وقد نزل ما يقرب من ثلثيها قبل أن يرى الرّسول زيداً؟!
#الرّابعة: واحدة من أبرز المشاكل الّتي خلّفتها طبيعة الخطّ المستخدم في كتابة مصحف عثمان المتداول إنّه كان خالياً من التّنقيط فضلاً عن بقيّة العلامات الأخرى المولودة لاحقاً، وعلى هذا الأساس: وقع الكلام في الحركة المناسبة لمفردة “غير” الواردة في الآية؛ فقرأها بعضهم: بالفتح لأنّها مستثنى، وقالوا: إنّ الحديث أعلاه يؤيّد ذلك، وقرآها آخرون: بالضّم وعدّوها نعتاً للقاعدين، وقرأها غيرهم: بالكسر، وأعربوها صفةً للمؤمنين، وذهب أحدهم إلى جعلها بدلاً؛ لأنّه نكرة والأوّل معرفة، ولا ندري: إذا كانت السّماء مكترثة وجادّة في تدوين الوحي المنزل بشكل نهائي وجعله دستوراً دينيّاً نهائيّاً لجميع بني البشر لمختلف الأصقاع والبقاع لبادرت لضبط النّصّ ومراجعته بشكل نهائي، وإذا كان الخطّ في وقتها لا يسمح فتبقى إشكاليّة الثّواب والعقاب مع عدم تماميّة البيان قائمة برأسها.
#ومن هذا وغيره يتجلّى لك: إنّ دعوى أنّ السّماء كانت مهتمّة ومكترثة بتحويل النصّ القرآنيّ إلى دستور دينيّ دائميّ لجميع البقاع والأصقاع وهي تقيّد النّصوص القرآنيّة وتخرج بعض الحصص الخاصّة منها بهذه الطّريقة البشريّة… أقول مثل هذه الدّعوى مجانبة للصّواب جدّاً، فكيف إذا عرفنا: أنّ السّماء لم تكن جادّة في وقتها ولا مكترثة ولا مهتمّة بكتابة النصّ القرآنيّ بكامله، بل ولم تكن قادرة عمليّاً حتّى لو كانت لها مثل هذه الإرادة على تنقيطه وتحريكه بنحو بحيث لا يحتمل الخطأ والاشتباه، فتأمّل كثيراً كثيراً، عسى الله أن يفتح لك آفاق المعرفة وترك التّقليد الأعمى، وهو دائماً من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...