تطوّرات حوار فدك من البرهان إلى الجدل!!

1 يناير 2021
263
ميثاق العسر

#بعد أن عرفنا طبيعة الحوار الّذي دار بين فاطمة وأبي بكر في صحاح المسلمين المعتبرة، حوارٌ دارت طبيعته حول مطالبة فاطمة بتحويل ما تملّكه الرّسول من بستان فدك ـ بالآليّات الّتي تحدّثنا عنها فيما مضى ـ إلى الورثة، وبالتّالي منحها حصّتها من أرضها، لكنّ أبا بكر رفض ذلك، مدّعياً أنّ الرّسول ـ وفقاً لما سمعه […]


#بعد أن عرفنا طبيعة الحوار الّذي دار بين فاطمة وأبي بكر في صحاح المسلمين المعتبرة، حوارٌ دارت طبيعته حول مطالبة فاطمة بتحويل ما تملّكه الرّسول من بستان فدك ـ بالآليّات الّتي تحدّثنا عنها فيما مضى ـ إلى الورثة، وبالتّالي منحها حصّتها من أرضها، لكنّ أبا بكر رفض ذلك، مدّعياً أنّ الرّسول ـ وفقاً لما سمعه منه ـ لا يورّث، وإنّ ما يتركه صدقة، وبالتّالي: أبقى وضع بستان فدك على ما هو عليه في زمن الرّسول، من توزيع منتوجه على آل محمّد، من دون تقسيم أرضه على الورثة، وهي نتيجة أغضبت فاطمة، فخرجت ولم تكلّم أبا بكر حتّى ماتت.
#حاول بعض الموروث الرّوائي السنّي والاثني عشريّ المرويّ عن بعض آل محمّد ـ رغم تقاطعهم فقهاً وعقيدةً وسلوكاً ـ أن يفترض فرضيّات أخرى في الحوار الّذي جرى بين فاطمة وأبي بكر، مدّعياً أنّ فاطمة لم تطالب ببستان فدك على أساس الإرث، وإنّما على أساس كونه نحلتها من الرّسول، وإنّ أباها كان قد ملّكه إيّاها في حياته.
#كما حاول خصوص الموروث الاثني عشريّ أن يمزج بين الاثنين، ويدّعي أنّ النّقاش أخذ بُعداً جدلّياً بينهما، فبعد إنكار التّوريث تحوّلت المطالبة إلى ادّعاء الملكيّة… إلخ من بيانات سنأتي على ذكرها وفحصها تباعاً.
#أمّا الأوّل: فقد روى ابن شبّة المتوفّى سنة: “262هـ”، بإسناده عن النّميريّ بن حسّان، إنّه قال: «قلت لزيد بن علي “رحمة الله عليه” وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إنّ أبا بكر “رض” انتزع من فاطمة “رض” فدك؟!
#فقال: إنّ أبا بكر “رض” كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أن يغيّر شيئاً تركه رسول الله “ص”، فأتته فاطمة “رض” فقالت: إنّ رسول الله “ص” أعطاني فدك.
فقال لها [أبو بكر]: هل لك على هذا بينة؟
فجاءت بعلّيٍ “رض” فشهد لها، ثم جاءت بأمّ أيمن.
فقالت [أمّ أيمن لأبي بكر]: أليس تشهد أنّي من أهل الجنة؟
قال [أبو بكر]: بلى.
قالت [أمّ أيمن]: فأشهد أنّ النّبي “ص” أعطاها فدك.
فقال أبو بكر “رض” [لفاطمة]: فبرجلٍ وامرأةٍ تستحقينها أو تستحقين بها القضية؟!
قال زيد بن علي: وايم الله، لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر “رض”». [تاريخ المدينة: ج1، ص199ـ200، تحقيق: شلتوت].
#ورغم مخالفة هذه الرّواية لما جاء في صحاح المسلمين من مطالبة فاطمة بفدك بعنوان الإرث، لكنّنا حتّى لو أغمضنا الطّرف عن ذلك، فإنّ الإيمان بصحّة إسناد هذه الرّواية إلى زيد ـ وهم يشكّكون في ذلك ـ لا يصحّح لنا إرسالها؛ إذ لا ندري ما هو الطّريق الّذي سلكه زيد في الوصول إلى هذه التّفاصيل؛ لأنّ الفاصلة ما بين ولادته وهذه الحادثة تتجاوز الستّين سنة.
بل ولو حكمنا بصدقها أيضاً، وعالجنا مشكلة الإرسال بنحو من الأنحاء، فإنّ ما قرّره زيد في وصف حكم أبي بكر بالصحّة والسّلامة كلام تامّ وعلى المباني أيضاً؛ لأنّ شهادة المرأة في أمثال هذه المواطن تُعدّ نصف شهادة الرّجل، هذا في حالة ما لو قبلنا شهادة الزّوج لزوجته في هذه المسارات، ومع عدم قبولها فالأمر أوضح وأشهر، وهذا يعني أنّ أبا بكر لم يضمر عداءً وضغينةً وحقداً في التّعامل مع فاطمة في هذا الملفّ وفقاً لهذه المعطيات، وإنّما انساق مع القواعد المعروفة في التّقاضي.
#إن قلت كما قيل أيضاً: إنّ من المعيب جدّاً أن توضع فاطمة في كفّة النّساء الأخرى، وأن تعامل ادّعاءاتها وشهاداتها كمعاملة أيّ امرأة أخرى؛ فهي المعصومة بنصّ القرآن، وكان أبو بكر وجميع الصّحابة يعلمون بذلك، فردّها ردّ للقرآن والرّسول!!
#أقول: هذا الكلام عاطفيّ لا قيمة له في سوق العلم، ولم يؤمن أحد بعصمة فاطمة في تلك الأيّام بما في ذلك عليّ زوجها أيضاً، وبالتّالي: فهي مشمولة بجميع الإطلاقات القرآنيّة والنبويّة الّتي تحدّثت عن المرأة وحدّدت أحكامها تكليفاً ووضعاً، ومن يُريد إخراجها عن هذه الإطلاقات في تلك الأزمنة فعليه أن يقدّم أدلّة ونصوصاً وقرائن منسجمة مع زمانها، لا أن يُخرجها بنصوص وبيانات ولدت بعد الّلحظة الزمنيّة لفاطمة وحوارها مع أبي بكر بعقود وقرون لاحقة.
#سنتابع تطوّرات هذه النّصوص، وكيف حاولوا إثبات تملّك فاطمة لفدك عن طريق بيانات أخرى، فتابع وتأمّل وترقّب، والله من وراء القصد.
https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3434183790037254

تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...