تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الأولى

9 فبراير 2019
788
ميثاق العسر

#ذاع واشتهر في أوساطنا الإثني عشريّة منذ قرون طويلة إنّ رسول الله “ص” قد قال في حقّ بنته فاطمة “ع” تعابير مختلفة تتضمّن مدحاً وثناءً عالياً من قبيل: «إنّ فاطمة بضعة منّي؛ يؤذيها ما يؤذيني؛ يغضبها ما يغضبني؛ يُريبها ما يُريبني؛ يرضى الله لرضاها، يغضب لغضبها…إلخ»، وقد ركز في أذهاننا أيضاً: إنّ هذه الفقرات ممّا […]


#ذاع واشتهر في أوساطنا الإثني عشريّة منذ قرون طويلة إنّ رسول الله “ص” قد قال في حقّ بنته فاطمة “ع” تعابير مختلفة تتضمّن مدحاً وثناءً عالياً من قبيل: «إنّ فاطمة بضعة منّي؛ يؤذيها ما يؤذيني؛ يغضبها ما يغضبني؛ يُريبها ما يُريبني؛ يرضى الله لرضاها، يغضب لغضبها…إلخ»، وقد ركز في أذهاننا أيضاً: إنّ هذه الفقرات ممّا تسالمت عليها الكتب السُنيّة دون شكّ وريب، وإنّ ثبوت هذه الفقرات بمجموعها من الواضحات البيّنات المحكمات.
#وفي سياق هذه المرويّات سعى أصحابنا _ وهم يرومون محاججة أهل السُنّة _ لإدراج الخليفة الأوّل والثّاني في دائرة مبغضي الله ورسوله فيستحقّون بذلك الّلعن والويل والثّبور؛ وذلك لأنّهم رووا أيضاً: إنّ فاطمة “ع” ماتت وهي واجدة وغاضبة على أبي بكر أيضاً، ولا شكّ في إنّ عمر بن الخطّاب كان معيناً ومعاوناً بل مؤسّساً لأعمال أبغضتها كما يقولون، ومن هنا قال الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” في اعتقاداته: «وأمّا فاطمة “صلوات الله عليها” فاعتقادنا فيها: أنّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وأنّ الله يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها، وأنّها خرجت من الدّنيا ساخطة على ظالميها وغاصبيها ومانعي إرثها». [الاعتقادات: ص105].
#وفي الحقيقة: إنّ هذا الّلون من البيانات والاستنتاجات يعاني من مشاكل أسناديّة ومضمونيّة واستدلاليّة عميقة جدّاً، لكن حيث إنّ الأصل الّذي يسير عليه أصحابنا هو عدم فتح أيّ بحث علميّ في الملفّات المذهبيّة الّتي ركزت بين عموم أتباعهم بطريقة إيجابيّة تُسهم في تعميق إيمانهم بأصول المذهب كما يقولون حتّى وإن كانت خاطئة، لذا لم يحرّك أحدهم ساكناً في هذا المجال، وإن حرّك فلا يعدو تحريكه السّطح بنحو لا يُفقد المكاسب الّتي حصّل عليها من خلال هذه الاعترافات الّتي وردت في كتب الطّرف الآخر، وحيث إنّنا في حلّ من هذا الالتزام الباطل سنحاول فتح البحث العلميّ الموضوعيّ المحايد في حقيقة هذه الفقرات لكن بنحو الإيجاز، ونترك الحديث التّفصيليّ فيها إلى المطوّلات، وقبل أن نشرع بذلك من المناسب أن نقدّم الفتوى البحثيّة الّتي توصّلنا إليها في هذا الشّأن أو قل المدّعى الّذي سنباشر في البرهنة عليه لاحقاً وهو:
#إنّ أصل هذه الفقرات المرويّة والمنتشرة والمشهورة تعتبر جزءاً من حديث روي في واقعة خاصّة تذمّ عليّ بن أبي طالب “ع” ذمّاً شديداً، تفرّد بروايتها عن الرّسول “ص” ـ كما هو الطّريق الأصحّ عند أهل السُنّة ـ صبيّ لا يتجاوز عمره في لحظة رحيله “ص” الثّمان سنوات بالاتّفاق، فقام البخاري بتقطيع فقرات هذا الحديث المرويّ في خصوص هذه الحادثة وتوزيعه على أبواب مختلفة من كتابه المُسمّى بالصّحيح تحت ذريعة تعدّد أسناده، فجاءت فقرة: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» مستلّة من سياقها الطّبيعيّ الّذي ولدت فيه، أمّا مسلم فقد أوردها كما هي من دون تقطيع في كتابه المُسمّى بالصّحيح أيضاً، وتابعهم آخرون على ذلك على اختلاف في التّقدّم والتأخّر، كما تفرّد غيرهم بروايتها عن صبيّ آخر يكبر الصّبيّ الأوّل بسنة تقريباً، وقد كانت هذه المرويّات تقتصر في حديثها على غضب الرّسول “ص” لغضب فاطمة “ع”، حتّى روى أهل السُنّة أيضاً عن نجل زيد الشّهيد رواية عن ابن عمّه جعفر الملقّب بالصّادق “ع” مرسلة أو متّصلة عن الرّسول “ص” تقرّر غضب الله لغضب فاطمة، والتّحقيق الّذي سنشير إليه يثبت: إنّ جميع هذه المرويّات تتحدّث عن أصل تلك الحكاية الّتي تحدّث عنها الصّبيّ أو الصّبيّان كما سنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى.
#والظّاهر وهذا احتمال سنفحص جدوائيّته المعرفيّة لاحقاً: إنّ الهدف من رواية هذه الرّواية في صحاح أهل السُنّة هو: الحطّ من مقام عليّ “ع” الّذي هو سبب نزول هذا النّصّ النّبويّ المروي؛ وذلك لأنّه ـ أعني عليّاً ع ـ أغضب فاطمة وأهاج غيرتها بخطبته بنت أبي جهل، لكن بدل أن يقوم أصحابنا بمناقشة أصل هذه الحكاية ـ والّتي لا تحطّ من مقام عليّ “ع” فقط بل تحطّ من مقام فاطمة وأبيها “ص” أيضاً ـ بطريقة علميّة سليمة: قاموا باعتماد هذه الفقرة من الحديث وبناء ما شاء الله من الاستنتاجات العقائديّة والفقهيّة عليها بهدف تسقيط الخليفة الأوّل والثّاني ومتابعيهم، بل قاموا بوضع رواية تقرّ بأصل هذه الحكاية وتتضمّن استدلالات مذهبيّة عميقة ولافتة أيضاً، نعم؛ سعى بعض المعاصرين إلى إنكار أصل خطبة عليّ “ع” بنت أبي جهل، ولكنّه غفل أو تناسى: إنّ إنكار أصل هذه الخطبة يفضي إلى إنكار جميع هذه الفقرات المرويّة في مدح فاطمة “ع”، فهل يتلزم أحدٌ منهم بذلك دون تبعيض؟! تابعنا لتعرف الحقيقة، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...