تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة التّاسعة

8 مارس 2019
91
ميثاق العسر

#بعد أن استعرضنا مجموعة مقدّمات رجاليّة نافعة يتّكئ عليها الفهم السّليم لما سنطرحه في البحوث الّلاحقة يحسن بنا بعدها الدّخول في استعراض النّصوص الرّوائيّة المرتبطة بغضب فاطمة “ع” والمتوافرة في الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ، وفي الوقت نفسه استعراض الّلحظة التّاريخيّة والرّقعة الجغرافيّة الّتي ولّدتها؛ لأنّنا نعتقد إنّ تفحّص مثل هذه المفردات أمر ضروري وحاسم في […]


#بعد أن استعرضنا مجموعة مقدّمات رجاليّة نافعة يتّكئ عليها الفهم السّليم لما سنطرحه في البحوث الّلاحقة يحسن بنا بعدها الدّخول في استعراض النّصوص الرّوائيّة المرتبطة بغضب فاطمة “ع” والمتوافرة في الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ، وفي الوقت نفسه استعراض الّلحظة التّاريخيّة والرّقعة الجغرافيّة الّتي ولّدتها؛ لأنّنا نعتقد إنّ تفحّص مثل هذه المفردات أمر ضروري وحاسم في فهم الحقائق المذهبيّة وأسباب ولادتها، وفي هذا السّياق أقول:
#في يوم الجمعة الثّاني عشر من شهر شعبان لعام: “368هـ” أملى المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” كتابه الشّهير الاعتقادات في مدينة نيسابور، وقد جاء فيه حول معتقد المذهب الإثني عشريّ المرتبط بالسيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” تحت “باب الاعتقاد في الظّالمين” ما يلي: «وأمّا فاطمة “صلوات الله عليها” فاعتقادنا فيها: أنّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وأنّ الله يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها، وأنّها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالميها وغاصبيها ومانعي إرثها، وقال النّبي “ص”: إنّ فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن غاظها فقد غاظني، ومن سرّها فقد سرّني، وقال النّبي “ص”: “إنّ فاطمة بضعة منّي، وهي روحي الّتي بين جنبيّ، يسوؤني ما ساءها، ويسرّني ما سرّها”. واعتقادنا في البراءة: أنّها واجبة من الأوثان الأربعة ومن الأنداد الأربعة». [ص105].
#والملاحظ:إنّ المرحوم الصّدوق جعل الصّيغة المطوّرة لهذا الحديث والّتي تربط غضب الله ورضاه بغضبها ورضاها “ع” بعنوان معتقد إثني عشريّ ثابت، وعطف الحديث بعد ذلك لنسبة قولين إلى رسول الله “ص” يتحدّثان عن الصّيغة المشهورة والمعروفة بنحو الجزم، وحينما نفتّش في تُراثه المُصنّف قبل تاريخ هذا الإملاء بغية العثور على أسانيد هذه النّصوص لفحص نقاوتها نلاحظ ما يلي:
#أمّا الصّيغة الّتي اصطلحنا عليها بالمطوّرة والّتي تربط غضب الله ورضاه بغضب فاطمة ورضاها وهي الّتي جعلها المرحوم الصّدوق كمعتقد إثني عشريّ ثابت ورتّب على أساسها جملة من المقولات المذهبيّة أيضاً، أقول هذه الصّيغة المطوّرة أوضحنا الكلام في رجال سندها فيما سبق، سواء أ كان ذلك في نفس الطّريق السُنّي المعروف لهذه الصّيغة والّذي يدّعي المرحوم الصّدوق سماعه من شيخ مجهول، أو كان ذلك عن طريق ثلاثة طُرق يدّعي المرحوم الصّدوق عثوره عليها في أسفاره المكوكيّة لطلب الحديث؛ وذلك لأنّ تكثّر هذه الأسانيد المملوءة بالمجاهيل والمتروكين لا ينتج اعتباراً لهذه الأسانيد على الإطلاق خصوصاً مع نكارة بعض مضامينها ومذهبيّة بعضها الآخر، وقد نقلنا رأي السيّد السّيستاني في ذلك فراجع ولا نعيد.
#أمّا الصّيغة المشهورة والمعروفة لهذا الحديث والّتي جاءت في صحاح أهل السُنّة بسبب إغضاب عليّ “ع” لعقيلته فاطمة “ع” وإغاظتها فسنقوم بفحصها في تراث المرحوم الصّدوق بعد أن أرسل صيغاً مشابهة منها في كتابه الاعتقادات، وسنلاحظ حينها قيمتها السنديّة في الوقت نفسه أيضاً.
#صيغة يسوؤني ما ساءها
#في اليوم الثّامن من شهر جمادي الثّانية لعام: “368هـ” أملى المرحوم الصّدوق حديثاً على مستمعيه حمل الإسناد والمضمون التّالي وسنقتصر على مورد الحاجة منه لطوله: «حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ “رحمه الله”، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثنا جعفر بن سلمة الأهوازيّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن إبراهيم بن موسى ابن أخت الواقديّ، قال: حدّثنا أبو قتادة الحرّاني، عن عبد الرّحمن بن العلاء الحضرميّ، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول الله “ص” كان جالساً ذات يوم وعنده عليّ وفاطمة والحسن والحسين “ع”، فقال: الّلهم إنّك تعلم أنّ هؤلاء أهل بيتي وأكرم النّاس عليّ، فأحبّ من أحبّهم، وأبغض من أبغضهم، ووال من والاهم، وعاد من عاداهم، وأعن من أعانهم، واجعلهم مطهّرين من كلّ رجس، معصومين من كلّ ذنب، وأيّدهم بروح القدس منك. ثمّ قال: يا عليّ أنت إمام أمّتي، وخليفتي عليها بعدي، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنّة، وكأنّي أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقلبت يوم القيامة على نجيب من نور عن يمينها سبعون ألف ملك، وعن يسارها سبعون ألف ملك، وبين يديها سبعون ألف ملك، وخلفها سبعون ألف ملكٍ تقود مؤمنات أمّتي إلى الجنّة… ثمّ التفت إلى عليّ “ع” فقال: “يا عليّ إنّ فاطمة بضعة منّي، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، ويُسرّني ما سرّها…”».[ص486].
#وهذا الحديث ساقط عن الاعتبار من رأس؛ لجهالة وإهمال وضعف بعض رجال أسناده عندهم، ولنكارة ومذهبيّة مضمونه ومفرداته عندنا، على إنّنا نرفض تفرّدات المرحوم الصّدوق عمّن يسمّيه بـ: “أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ” وتوثيقه له أيضاً؛ إذ نتوقّف مليّاً في صحّة تفرّدات الأخير عن عليّ بن إبراهيم القمّي أيضاً؛ لأسباب موضوعيّة يجدها القارئ في سلسلة تأمّلاتنا في تفرّدات المرحوم الصّدوق، ونعتقد إنّ جملة منها من صنف الموضوعات المذهبيّة ونحت الأدلّة ما بعد الوقوع خصوصاً روايته الشّهيرة واليتيمة عن الرّضا “ع” الرّامية لتفسير حيرة زرارة بن أعين فراجع وتأمّل.
#صيغة من غاظها فقد غاظني
#أمّا صيغة الحديث الّتي أرسلها المرحوم الصّدوق في كتابه الاعتقادات عن الرّسول الأكرم “ص” والنّاصّة على: «إنّ فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن غاظها فقد غاظني، ومن سرّها فقد سرّني»، فلم ترد بهذه الصّيغة الكاملة في تراث الصّدوق سوى مُرسلة في كتاب من لا يحضره الفقيه والّذي ألّفه المصنّف في بلخ بعد كتابه الاعتقادات، كما وردت أيضاً في مجلس أملاه في غرّة شوّال من سنة: “367هـ” بأسناد ضعيف وفي سياق نفي وإنكار أيضاً؛ حيث جاء فيه على لسان الصّادق “ع” كما في الرّواية ما يلي: «أ لم ينسبوه إلى أنّه “ع” أراد أن يتزوّج ابنة أبي جهل على فاطمة “ع”، وأنّ رسول الله شكاه على المنبر إلى المسلمين، فقال: إنّ عليّاً “ع” يُريد أن يتزوّج ابنة عدوّ الله على ابنة نبيّ الله، ألا إنّ فاطمة بضعة منّي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن سرّها فقد سرّني، ومن غاظها فقد غاظني…» ومن الواضح إنّ الرّواية ـ على فرض صحّتها وهي ضعيفة جدّاً عندهم ـ تُريد أن تنفي ذلك، فكيف استند الصّدوق إلى هذا المقطع ونسبه إلى رسول الله “ص”؟!
#نعم؛ وردت الفقرتان الأوّليّان من هذا الحديث، أي: «إنّ فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني» في كتابه علل الشّرائع كجزء من رواية طويلة ذات أسناد ضعيف ومضمون متهالك تتحدّث عن نفس حكاية خطبة عليّ “ع” لبنت أبي جهل وتؤيّد كون سبب صدور الحديث هذا الأمر، وقد تقدّمت الإشارة إليها وإلى مشاكل سندها في البحوث الماضية فلا نعيد، ومن يُريد الإيمان بها ويصحّح أسانيدها بقدرة قادر فعليه أن يؤمن بها ككلّ دون تبعيض وانتقائيّة، لكن ماذا عن الفقرتين الأُخريات؟!
وممّا تقدّم: إنّ أيّاً من الصّيغتين المشهورة والمطوّرة لم ترد في تراث المرحوم الصّدوق بسند صحيح على الإطلاق، وإنّ محاولة منحها اعتباراً انسياقاً مع التّربيّة المذهبيّة المتداولة والواصلة لا يشفع بشيء، بل هي من قبيل وضع حجر إلى جنب حجر آخر، نعم؛ سنتحدّث عن القيمة الحديثيّة لهذه المرويّات عند المرحوم الصّدوق نفسه، وهل تصلح أن يُصار إليها لبناء مقولات عقائديّة بحجم المقولات المستنبطة من نصوص غضب فاطمة “ع”، أم هي طموحات شخصيّة وسياسيّة مُرّرت في ظلّ ظروف معيّنة واستحكمت استحكام الفولاذ ببركة المآرب المذهبيّة؟! [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...