تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الثّامنة

8 مارس 2019
816
ميثاق العسر

#أوضحنا فيما تقدّم: إنّ الحديث النّبويّ الوارد في صحاح السُنّة والناصّ على ربط غضب النّبيّ “ص” بغضب فاطمة “ع” أو ما شابهه من الصّيغ يرتبط بسبب خاصّ، وقلنا أيضاً: إنّ الاستناد إلى هذا الحديث النّبويّ بطريقه السُنّي وبصيغته المشهورة بغية اشتقاق مقولات فقهيّة وعقائديّة إثني عشريّة عمل لا يتواءم مع المباني العلميّة التّحقيقيّة عندهم؛ وذلك […]


#أوضحنا فيما تقدّم: إنّ الحديث النّبويّ الوارد في صحاح السُنّة والناصّ على ربط غضب النّبيّ “ص” بغضب فاطمة “ع” أو ما شابهه من الصّيغ يرتبط بسبب خاصّ، وقلنا أيضاً: إنّ الاستناد إلى هذا الحديث النّبويّ بطريقه السُنّي وبصيغته المشهورة بغية اشتقاق مقولات فقهيّة وعقائديّة إثني عشريّة عمل لا يتواءم مع المباني العلميّة التّحقيقيّة عندهم؛ وذلك لأنّ هذا الحديث لم يثبت بطريق إثني عشريّ صحيح عن رسول الله “ص” لا بنحو مستقلّ عن سببه السُنّي ولا مع سببه السُنّي أيضاً، كما إنّ الصّيغة المطوّرة من هذا الحديث والّتي ربطت غضب الله ورضاه بغضب فاطمة ورضاها لم تصحّ عند المحقّقين من علماء السُنّة والإثني عشريّة أيضاً، وعلى هذا فلا طريق أمام أصحابنا: إمّا أن يؤمنوا بصيغته السُنيّة وسببها وما يترتّب عليها ويذهبوا بطريقة من الطُرق لتعميمها مثلاً، وإمّا أن يُسقطوا هذا الحديث من رأس وبذلك تسقط جميع النّتائج المترتّبة عليه في الوقت نفسه، وأحد الخيارين أمرّ من الآخر.
#وفي ضوء هذا التأسيس سنحاول قراءة التّطوّر التأريخيّ لهذا الحديث في الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ الواصل؛ لنعرف من هو المسؤول عن إدخاله وتعميمه، لتؤسّس على أساسه مجموعة من المقولات المذهبيّة العميقة والّتي لا زلنا ندفع ثمنها حتّى الّلحظة، والتّحقيق والمراجعة يكشفان عن: أنّ من يتحمّل مسؤوليّة إدخال هذه النّصوص المتهافتة والمتعارضة والمطوّرة إلى الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ هو المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ”، لكن قبل أن نبدأ بعرض وتوثيق ذلك يحسن بنا التّوقّف قليلاً مع مقدّمات رجاليّة نافعة، تُسهم بنحو وآخر في إلقاء الضّوء على البحوث القادمة:
#الأولى: هناك صحيفة ذكرت فيها جملة من الرّوايات والأحاديث تُسمّى بـ “صحيفة الرّضا” نسبة إلى عليّ بن موسى الرّضا “ع”، وأسندها الأخير “ع” عن أبيه عن جدّه عن عليّ “ع” إلى رسول الله “ص”، وقد نصّ المرحوم المجلسيّ في البحار على إنّ هذه الصّحيفة من الكتب المشهورة بين العامّة والخاصّة، وقد عثر لها أسانيد عدّة في النّسخ القديمة، مُقرّراً: إنّها من الأصول المشهورة ويصحّ التّعويل عليها، كما ذهب المرحوم النّوري إلى إنّ هذه الصّحيفة المباركة ـ حسب تعبيره ـ من الأصول المشهورة، المتداولة بين الأصحاب!! [البحار: ج1، ص30؛ خاتمة الوسائل: ج1، ص222].
#الثّانية: عمد المرحوم الصّدوق وهو يصنّف كتابه الّذي أهداه للوزير الصّاحب بن عبّاد والمسمّى بـ “عيون أخبار الرّضا “ع” ” إلى إيراد مئة وسبعة وثمانين حديثاً ممّا سُمّيت لاحقاً بصحيفة الرّضا عن طريق أسانيد ثلاثة، وهذه الأسانيد مجهولة المبدأ ومجهولة المنتهى، بمعنى: إنّ الشّيوخ الثّلاثة الّذين ادّعى الصّدوق سماع هذه الأحاديث منهم في مناطق: “مرو رود؛ ونيسابور؛ وبلخ” مجهولون، كما إنّ الرّواة الثّلاثة الّذين يُفترض إنّهم سمعوا من الرّضا “ع” مباشرة ما بين مجهول ومهمل أيضاً، وما بين المبدأ والمنتهى مجاهيل ومتروكون في نفس الوقت.
#الثّالثة: ذهب جملة ممّن ينطلقون من ممشى صفويّ أخباريّ إلى اعتماد هذه الصّحيفة ومرويّاتها، كما سعى أحد تلامذة المرحوم الخوئي إلى اعتبار بعض مرويّات هذه الصّحيفة رغم تنصيصه على جهالة آحاد جميع أسانيدها، مبرّراً مختاره عن طريق استبعاد تواطؤ جميع هؤلاء الثّلاثة على الكذب، ومن هنا عمدنا في بحوث سابقة إلى وصف بعض مرويّات هذه الصّحيفة ـ ونحن في مقام الاحتجاج ـ بوصف كونها معتبرة عندهم أو عند بعضهم…إلخ، والاعتبار كما لا يخفى على أصاغر الطّلبة أعمّ من الصحيح والموثّق والحسن… وغيرها من أوصاف الحديث المعروفة، وهو ناشئ من ملاكات أخرى غالباً ما تكون مذهبيّة كما في محلّ حديثنا.
#الرّابعة: رغم إنّ السيّد السّيستاني لا ينحو منحى أستاذه المرحوم الخوئي في الاعتماد على حجّة خبر الثّقة وينحو نحو مبنى الوثاقة كما يصطلحون عليه، لكنّه رفض تصحيح هذه الصّحيفة واعتبارها قائلاً على ما حُكي عنه: «والصّدوق يروي صحيفة الرّضا بأسانيد ثلاثة، وأسانيده المباشرة من الّذين أدركهم الصّدوق في سفره إلى خراسان، وهم من العامّة؛ فهو كان يُسافر طلباً للحديث، وفي أحد أسفاره قد أخذ صحيفة الرّضا من العامّة بأسانيده الثّلاث، ولا يمكن تصحيح صحيفة الرّضا، ولصحيفة الرّضا نسخ غير هذه النّسخة الّتي رواها الصّدوق كنسخة الطّبرسي». [الاجتهاد والتّقليد، تقريراً لأبحاث السيّد السّيستاني: ص101].
#الخامسة: نحن لا نتعقّل أن يحدّث الرّضا “ع” بهذه الأحاديث الكثيرة وبهذه الطّريقة المُسندة من دون أن يسجّل أصحابه المعروفون ذلك، بل وثّقنا رواية الصّدوق نفسه عن الرّضا “ع” نفسه ما يعارض بعض مضامينها بشدّة كذلك، وعلى هذا الأساس تطمئنّ النّفس بكون جملة من مضامينها من تطبيقات كبرى نحت الأدلّة ما بعد الوقوع وإن عُثر عليها مرويّة في مواطن أخرى؛ فإنّ صرف التّطابق المضمونيّ لا يوجب صحّة الطّريق، كما إنّ تكثير أسانيدها وطرقها عمليّات متأخّرة لا قيمة لها أصلاً ما دامت الطّبقة الأولى من الرّواة من المجاهيل والمتروكين، على إنّ من يرجع إلى مضامين جملة منها يجد لمسات وآثار الوضع المذهبيّ واضحة عليها.
#السّادسة: بادر المرحوم الصّدوق إلى ذكر مجموعة من الأحاديث والرّوايات في كتابه من لا يحضره الفقيه كمراسيل لا سند لها أصلاً، وهذا الأمر أوقع العلماء الّلاحقين له في حيرة؛ وذلك لأنّه اشترط في مقدّمة كتابه الفقيه أن لا يذكر فيه إلّا ما يُفتي به ويحكم بصحّته ويعتقد بحجيّته بينه وما بين ربّه، وإنّ جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع حسب تعبيره، وقد حاول بعض الأعلام أن يفرّق بين تعابير الصّدوق في إخراج هذه المراسيل في كتابه، مفترضاً إنّ هذه التّعابير ناشئة من ملاكات رجاليّة معيّنة، وهو كلام غير دقيق أصلاً، ولهذا اختار السّيستاني قول من يُنكر وجود مرتكز رجالي يكمن وراء تفريق الصّدوق في اختلاف تعابيره عن رواياته المُرسلة، عادّاً ذلك لوناً من التّفنّن في التّعبير خشية التّكرار المُمل، وبهذا ذهب إلى إبطال عموم المباني الّتي حاولت التّفريق بينها ومن ثمّ البناء والتأسيس عليها. [لا ضرر: ص87]، كما أفاد أيضاً: «إنّ حكم الصّدوق بصحّة ما رواه مبتنٍ على الاطمئنان الحاصل للصدوق [لديه]، ومن الواضح: عدم حجيّة اطمئنانه بصدور رواية بالنّسبة لنا، ولازم ذلك عدم التّفكيك بين ما ذُكر مسنداً وبين ما ذُكر مُرسلاً». [الاجتهاد والتّقليد: ص100].
#السّابعة: محطّة المرحوم الصّدوق محطّة مُقلقة جدّاً في تراثنا الإثني عشريّ، ولم أجد من توقّف بجدّ عندها سوى المرحوم أسد الله الشّوشتري الكاظمي المتوفّى سنة: “1237هـ”، والّذي أظهر تناقضات رهيبة في تراث الصّدوق، وشنّ حملات نقديّة لا هوادة فيها، ولهذا فإنّ ما ذهب إليه أحد مشايخ المحدّث البحراني من عدم وثاقة المرحوم الصّدوق لا يخلو من وجه، ولأجل هذا وغيره الكثير: كان خيارنا عدم ثبوت وثاقة الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ لأنّا نطمئن ـ بل نجزم أحياناً ـ بتصرّفه فيها انطلاقاً من رؤيته المذهبيّة الخاصّة، ولعلّ هذا هو سبب خلو كلمات المتقدّمين من التّوثيق الخاصّ له كما فصّلنا الحديث في بحوث تأمّلات في وثاقة المرحوم الصّدوق، على إنّ إسقاطها عن الحجيّة لا يعني إلغاء جدوائيّتها في الاحتجاج أو كاشفيّتها عن أفق تلك المرحلة وشخوصها أو احتوائها على مفردات صحيحة من مكان آخر، وتفصيل ذلك في محلّه. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...