تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة السّابعة

17 فبراير 2019
525
ميثاق العسر

#نوّهنا فيما تقدّم من بحوث إلى إنّ الصّيغة الثّانية المطوّرة من الحديث المرتبط بغضب السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” ـ والّتي تربط غضب الله بغضبها ورضاه برضاها ـ لم ترد في مصادر الطبقة الأولى من صحاح وسُنن ومسانيد أهل السُنّة والجماعة، وإنّما وردت في مصادر تعدّ من الطّبقة الثّانية فما دون، وورود حديث في مصادر […]


#نوّهنا فيما تقدّم من بحوث إلى إنّ الصّيغة الثّانية المطوّرة من الحديث المرتبط بغضب السيّدة فاطمة بنت محمّد “ع” ـ والّتي تربط غضب الله بغضبها ورضاه برضاها ـ لم ترد في مصادر الطبقة الأولى من صحاح وسُنن ومسانيد أهل السُنّة والجماعة، وإنّما وردت في مصادر تعدّ من الطّبقة الثّانية فما دون، وورود حديث في مصادر من هذا القبيل يقتضي فحص سنده ودلالاته ولا يمكن التّسليم به بالمطلق، وقد أوضحنا ـ هناك أيضاً ـ تحفّظ جملة من محقّقي أهل السُنّة على هذا الحديث وعلى نكارة مضمونها ومرويّات بعض رجالها، كما وُصف أشبه طُرقه بالإرسال.
#وقد وصل بنا المقام إلى استعراض هذه الصّيغة المطوّرة في التّراث الإثني عشريّ بغية فحصها سنداً ودلالة أيضاً؛ لمعرفة الفوارق والامتيازات، وهل يمكن تصحيح هذه الصّيغة لمن هو في داخل المذهب الإثني عشريّ فنقول:
نُقل عن المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” إملاؤه على حضّار مجالسه قائلاً: «حدّثنا أبو ذر يحيى بن زيد بن العبّاس بن الوليد البزّاز “رض” بالكوفة، قال: حدّثنا عمّي عليّ بن العبّاس، قال: حدّثنا عليّ بن المُنذر، قال: حدّثنا عبد الله بن سالم، عن حسين بن زيد، عن عليّ بن عمر بن عليّ، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب “ع”، عن رسول الله “ص” أنّه قال: “يا فاطمة إنّ الله تبارك وتعالى ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك”. قال: فجاء سندل فقال لجعفر بن محمّد “ع”: يا أبا عبد الله: إنّ هؤلاء الشّباب يجيئونا عنك بأحاديث مُنكرة؟ فقال له جعفر [الصّادق] “ع”: وما ذاك يا سندل؟ قال: جاءنا عنك أنّك حدّثتهم: “أنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها”. قال: فقال جعفر [الصّادق] “ع”: يا سندل أ لستم رويتم فيما تروون: إنّ الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب عبده المؤمن ويرضى لرضاه؟ قال: بلى، قال: فما تُنكرون أن تكون فاطمة “ع” مؤمنة يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها؟! قال: فقال الله أعلم حيث يجعل رسالته». [كتاب عرض المجالس المعروف بأمالي الصّدوق: المجلس الحادي والسّتون].
#نلاحظ:
#أوّلاً: الحديث الّذي أملاه المرحوم الصّدوق على حضّار مجلسه سمعه في الكوفة من شيخ مجهول بالنّسبة لنا وإن ترضّى عليه؛ فإنّ ريضلة الصّدوق كما يقولون لا توجب توثيقاً، كما إنّ عمّه الّذي سمع منه هذا الشّيخ المجهول مجهولٌ أيضاً، أمّا بقيّة رجال سند هذا الحديث فهم أنفسهم الّذين وردوا في الأسانيد الّتي روتها الكتب السُنيّة، وبالتّالي فحتّى لو سلّمنا بصحّة واتّصال الطّريق من الحسين بن زيد وحتّى الصّادق “ع”، لكن تبقى مشكلة الواقع الإثني عشريّ عالقة في كيفيّة الوثوق بطريق الصّدوق إليه ـ أعني الحسين بن زيد ـ مع اشتماله على المجاهيل.
#ثانياً: لو تجاوزنا المشكلة أعلاه فستبرز لنا مشكلة سنديّة أعمق، وهي: إنّ الحسين بن زيد المعروف بذي الدّمعة لم يوثّق، ولهذا نجد المرحوم الخوئي حين استعراضه بعض مرويّات ابن زيد الفقهيّة يقرّر صراحة ضعفها؛ لعدم توثيقه وإهماله، كما نصّ أحد تلامذته قائلاً: «في حسنِ الحسين ذي الدمعة تردّد»، نعم؛ من يذهب إلى كفاية رواية محمّد بن أبي عمير لتوثيق الرّاوي ـ كالسيّدين السّيستاني والزّنجاني ـ فيمكنه الحكم بوثاقته إذا ما ذهب إلى إنّ محمّد بن زياد هو محمّد بن عمير نفسه، لكنّ المحقّقين رفضوا أصل هذا المبنى وناقشوه في مطوّلاتهم فراجع. [مستند العروة، الصّوم: ج2، ص263؛ الموسوعة: ج22، ص270؛ ج12، ص479؛ معجم الأحاديث المعتبرة: ج6، ص515؛ كتاب نكاح بالفارسي: ج20، ص6276].
#ثالثاً: يُعدّ عليّ بن عمر الأشرف ـ حفيد السجّاد “ع” ـ من أجداد السيّدين المرتضى والرّضيّ من طرف أمّهما، وقد عبّر المرتضى عنه في أوائل كتابه المسائل النّاصريّات بأنّه كان عالماً وقد روى الحديث [ص63]، كما عدّه الطّوسي في رجاله من أصحاب الصّادق “ع”[ص244]، لكنّه مهمل من النّاحية الرّجالية، نعم؛ قد يُستدلّ على كونه إماميّاً من خلال رواية وردت في الكافي في باب الإشارة والنّص على إمامة الكاظم “ع”، لكنّها ضعيفة عندهم بأحمد بن مهران وبيعقوب بن جعفر كما نصّ المرحوم الخوئي [معجم رجال الحديث: ج13، ص110]، وهي من نحت الأدلّة ما بعد الوقوع عندنا، وهذا يعني: إضافة خدشة عميقة أخرى في سند الرّواية وفقاً للمنظومة الرجاليّة الإثني عشريّة المعاصرة.
#رابعاً: حتّى لو سلّمنا باتّصال الحديث ووثاقة جميع رجال طريقه أيضاً، إلّا إنّ المطمئن به بأنّ الحديث يتحدّث عن الواقعة الّتي نقلها المسور بن مخرمة نفسها وليس عن حادثة مستقلّة ومنفصلة؛ وذلك: لأنّ أحد أهمّ وأبرز الرّواة المشتركين في طريقيّ هاتين الصّيغتين هو عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، وكما قام بنقل صيغ ذلك الحديث المعروفة وتلك الحادثة المشهورة عن المسور بن مخرمة، قام ونقل مثل هذه الصّيغة من الحديث المطوّرة أيضا ً من دون أن يسجّل أيّ تحفّظ على نقله الأوّل المشهور والمعروف عندهم، ويوفّر في الوقت نفسه دواعي نقله ولو إلى أبنه “ع” الّذي نقل بدوره الصّيغة المطوّرة إلى حفيده “ع” أيضاً، خصوصاً والمفروض إنّه قد سمع الصّيغة المطوّرة من أبيه “ع” قبل سماعه الصّيغة المشهورة والمعروفة الّتي سمعها من المسور وحدّث بها الزّهريّ.
#خامساً: عبّرت النّسخ المطبوعة من كتاب أمالي الصّدوق عن الشّخص الّذي اعترض على الصّادق “ع” بتحديث الشّباب عنه بالمنكرات بـ “صندل”، وهو تصحيف واضح؛ لأنّ النّسخ الخطيّة الّتي تتبّعناها لهذا الكتاب حملت تعبير “سندل”، وهو المتطابق أيضاً مع المنقول في أمالي الطّوسي ومناقب ابن شهر آشوب، والظّاهر: إنّه عمر بن قيس المكّي.
#سادساً: عدّ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” عمر بن قيس المكّي المعروف بسندل من أصحاب الصّادق “ع”، وقد استظهر بعضهم من ذلك إماميّته [تنقيح الرّجال: ج2، ق1، ص347]، وردّه آخر بكون عناوين رجال الشّيخ أعمّ من ذلك [قاموس الرّجال: ج8، ص222]، ونصّ أحدهم على وجود رواية رواها الطّوسي في أماليه تفيد حسن عقيدته، لكنّه حينما ترجم إلى صندل وصفه بالعامّي الجاهل وساق بعد ذلك الرّواية محلّ البحث من الأمالي المطبوعة، مع إنّنا قلنا: إنّ التّعبير بصندل لا سندل هو من التّصحيف. [مستدركات علم الرّجال: ج6، ص108؛ ج4، ص270]، ويبدو إنّ هذه الرّواية هي الّتي قصدها الوحيد البهبهاني حينما قرّر: «وببالي أنّي رأيت رواية تدلّ على كونه عاميّاً خبيثاً» [منتهى المقال: ج7، ص390].
#سابعاً: من الواضح لمن راجع كتب الحديث والتّراجم السُنيّة إنّ عمر بن قيس المكّي المعروف بسندل من أهل السُنّة، وهو أخو الثّقة عندهم والكثير الحديث: حميد بن قيس، لكنّهم أجمعوا على تضعيفه لأسباب معروفة ومنصوصة من متقدّميهم ومتأخّريهم أيضاً، قال ابن سعد في الطّبقات: «عمر بن قيس، وهو سندل لقب، وكان فيه بذاء وتسرّع إلى النّاس فأمسكوا عن حديثه وألقوه، وهو ضعيف في حديثه ليس بشي‏ء» [ج6، ص34]، وربّما يكون سؤاله للصّادق “ع” وإجابته له على فرض واقعيّتهما من قبيل ما حُكي من سؤاله لمالك؛ فقد روى العقيلي في كتابه الضّعفاء الكبير بإسناده قائلاً: «حجّ مالك بن أنس فلقيه عمر بن قيس المكّي [المسمّى بسندل] فقال له: أنت مالك أنت هالك؛ جلست ببلدة رسول الله “ص” تُضلّ حاج بيت الله؛ تقول: أفرد أفرد، أفردك الله ـ يعنى إفراد الحج ـ ، فأراد أصحاب مالك أن يكلموه فقال مالك: لا تكلموه فإنّه يشرب الخندريس، يعني: النبيذ المسكر». [الضّعفاء الكبير: ج3، ص187].
#ثامناً: لا ندري من هو الرّاوي الّذي سمع سؤال سندل للصّادق “ع” ونقله إلى الحسين بن زيد، فهل هو عليّ بن عمر بن عليّ نفسه الّذي نقل لإبن زيد الحديث، أمّ إنّه راو آخر وأضيف سماعه إلى هذه الرّواية مثلاً؛ لأنّ صياغة مضمون المحاورة وادراجه بعد أصل الحديث واضح الوضع، وبالتّالي: فإنّ من يُريد الاعتماد على تصحيح متن الرّواية اعتماداً على تصحيح بعض أعلام أهل السُنّة فإنّ مثل هذه الزّيادة التّفسيريّة لا يمكن تصحيحها؛ باعتبارها من تفرّدات الصّدوق ولم يرد لها ذكر في متن الرّواية في مصادرها السُنيّة.
#تاسعاً: إنّ الإجابة المنسوبة للصّادق “ع” في ذيل الرّواية تفرّغ الحديث من محتواه الّذي يُراد التّرويج له مذهبيّاً؛ إذ المفهوم من هذا الحديث والمُروّج له: إنّ هناك خصوصيّة تتميّز بها فاطمة “ع” عن بني البشر؛ وهي: تطابق مبرّرات غضبها ورضاها مع مبرّرات الغضب والرّضا الإلهيّة، وعن هذا الطّريق اشتقّت مقولات عقائديّة ومذهبيّة جمّة وصلت عند بعضهم إلى حدّ نصّوا على إنّ السيّدة فاطمة “ع” تُشارك أباها وزوجها في مقام الإنسان الكامل الّذي تتطابق أفعاله وأقواله مع مفيض الوجود وخالقه، ومثل هذا المقام بعرضه العريض لا يمكن استنباطه من التّفسير المطروح لهذا الحديث في هذه الرّواية، بل هو معنى باطني لا يمكن تحديده بحدود وأطر واضحة، ويخضع لاجتهادات وتصوّرات كثيرة، ولا يسوّغ بناء الأحكام الفقهيّة والعقائديّة عليه أيضاً.
#عاشراً: إنّ التّفسير الّذي ذكره الصّادق “ع” لهذا الحديث بصيغته المطوّرة يتناقض مع التّفسير الّذي ذكره “ع” للحديث بصيغته المشهورة؛ حيث ذكره هناك: إنّ فاطمة “ع” لم تكن صابرة ولا محتسبة، وإنّما حرّكتها غيرة الأنوثة الّتي أودعها الله في نوعها، وعلى هذا فكيف يمكن أن نحفظ الانسجام بين غضب الله لغضبها باعتبار إيمانها، وبين غضبها لدواع غير إيمانيّة كما تصوّره الصّيغة المشهورة الّتي أخرجها الصّدوق في العلل.
#أحد عشر: وفي ضوء ما مرّ يتبيّن وجه الإشكال في الصّيغة الّتي أوردها المرحوم الصّدوق للحديث مدّعياً روايتها بأسانيد ثلاثة عن الرّضا “ع” في كتابه الّذي أهداه للوزير الصّاحب بن عبّاد عيون أخبار الرّضا “ع”؛ فمضافاً إلى سقوط جميع هذه الأسناد عن الاعتبار للجهالة والإهمال وإنّ محاولة تصحيحها بمجموعها كلام مذهبيّ لا قيمة له عند المحقّقين، فإنّ الصّيغة تتحدّث عن ربط غضب ورضا الله بغضب ورضا فاطمة، ويرد عليها نفس الاعتراضات الّتي تقدّمت على نفس هذه الصّيغة المرويّة عن الحسين بن زيد فلاحظ.
#فتحصّل ممّا تقدّم ما يلي: إنّ صيغة الحديث الّتي ربطت غضب الله ورضاه بغضب ورضا فاطمة “ع” لا تصحّ لا عن طريق محقّقي أهل السُنّة، ولا عن طريق محقّقي الإثني عشريّة أيضاً، وإنّ تصوّر الاتّحاد المضموني بالمطابقة أو بالتّضمّن بينها وبين الصّيغة المشهورة تصوّر مذهبيّ خاطئ يرتكز على مقدّمات كلاميّة فاسدة لا تخفى على ذي مسكة، فليُتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...