تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة السّادسة

15 فبراير 2019
575
ميثاق العسر

#أتممنا الكلام في الحديث النّبويّ المشهور في صحاح أهل السُنّة وسُننهم ومسانيدهم والنّاص على إنّ «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» وبقيّة صيغه المشابهة أيضاً، وقلنا: إنّ لهذا الحديث سبباً حصريّاً واحداً ورد في هذه الصّحاح والسُنن والمسانيد السُنيّة هو: إغضاب عليّ “ع” لزوجته فاطمة “ع” وإغاظتها حين أراد مصاهرة بني هشام بن المغيرة من […]


#أتممنا الكلام في الحديث النّبويّ المشهور في صحاح أهل السُنّة وسُننهم ومسانيدهم والنّاص على إنّ «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» وبقيّة صيغه المشابهة أيضاً، وقلنا: إنّ لهذا الحديث سبباً حصريّاً واحداً ورد في هذه الصّحاح والسُنن والمسانيد السُنيّة هو: إغضاب عليّ “ع” لزوجته فاطمة “ع” وإغاظتها حين أراد مصاهرة بني هشام بن المغيرة من خلال الزّواج من بنت أبي جهل.
#كما عطفنا الحديث بعد ذلك إلى صيغة “إنّ الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك” أيضاً، وقلنا: إنّ هذه الصّيغة لم ترد في الصّحاح والسُنن الّتي تُعدّ من الطّبقة الأولى لديهم، وإنّما وردت في مصادر من الدّرجة الثّانية والثّالثة، والإيمان بحديث يرد في أمثال هذه المصادر فرع التأكّد من سنده ودلالته، وقد تحفّظ جملة من محقّقيهم عليه، وفسّرنا هذا التّحفّظ بمجموعة من الأمور أهمّها: حاكميّة الصّيغة الأولى الصّحيحة عندهم على المشهد.
#أمّا الآن فقد آن الآوان لفحص هاتين الصّيغتين في التّراث الإثني عشريّ ورؤية أسانيدهما أيضاً؛ لمعرفة نوع التّطابق بينهما، وسنبدأ بالصّيغة الأولى فنقول:
روى الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” في كتابه “علل الشّرائع” رواية ظريفة وطريفة جدّاً تؤكّد السّياق الّذي ذكرته الصّحاح والسُنن السُنيّة في إنّ سبب صدور النصّ النّبويّ القائل: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» إنّما هو غيظ فاطمة وحنقها من عليّ “ع” بسبب خطبته لبنت أبي جهل، لكنّ الرّواية الإثني عشريّة ادّعت إنّ شقيّاً مارس دوراً تخريبيّاً للأسرة العلويّة فغرّر بفاطمة “ع” كذباً وأخبرها إنّ في نيّة زوجك خطبة فلانة من دون أن يكون لزوجها علم بالموضوع، كما لم يكن له نيّة مثل هذا الأمر من الأساس، ولم تكشف الرّواية عن الدّواعي الّتي حرّكت هذا الشّقيّ لذلك ولم تذكر لنا اسمه، ومن هنا فتحت المجال لباب التّكهّنات على مصراعيه، وهو باب واسع جدّاً يفتحه الرّواة عادة لإشغاله بالتّفسيرات الكلاميّة الغيبيّة الّلاحقة.
#دعونا نصغي إلى الجزء المهمّ من الرّواية الّذي يرتبط بحديثنا، وسنورده رغم طوله ونؤجّل الجزء الأخير منها إلى البحوث المختصّة، حيث أورد في «باب العلّة الّتي من أجلها دفنت فاطمة “ع” بالّليل ولم ُتدفن بالنّهار» من كتابه علل الشّرائع، بإسناده إلى عمرو بن المقدام وزياد بن عبد الله قوله: «أتى رجل أبا عبد الله “ع” فقال له: يرحمك الله: هل تُشيّع الجنازة بنارٍ ويُمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك ممّا يُضاء به؟ قال: فتغيّر لونُ أبي عبد الله “ع” من ذلك، واستوى جالساً، ثمّ قال: إنّه جاء شقيّ من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله “ص” فقال له: أما علمت أنّ عليّاً قد خطب بنت أبي جهل؟
#فقالت: حقّاً ما تقول؟! فقال: حقّاً ما أقول ثلاث مرّات. فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها؛ وذلك: أنّ الله تبارك وتعالى كتب على النّساء غيرةً، وكتب على الرّجال جهاداً، وجعل للمُحتسبة الصّابرة منهنّ من الأجر ما جعل للمرابط المُهاجر في سبيل الله.
#قال: فاشتدّ غمُّ فاطمة من ذلك، وبقيت مُتفكّرةً هي حتّى أمست وجاء الّليل، حملت الحسن على عاتقها الأيمن، والحسين على عاتقها الأيسر، وأخذت بيد أمّ كلثوم اليسرى بيدها اليُمنى، ثمّ تحوّلت إلى حُجرة أبيها، فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتدّ لذلك غمّه وعظم عليه، ولم يعلم القصّة ما هي، فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد يُصلّي فيه ما شاء الله، ثمّ جمع شيئاً من كثيب المسجد واتّكأ عليه.
#فلمّا رأى النّبي “ص” ما بفاطمة من الحُزن أفاض عليها من الماء، ثمّ لبس ثوبه ودخل المسجد، فمل يزل يُصلّي بين راكع وساجد، وكلّما صلّى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحُزن والغمّ؛ وذلك أنّه خرج من عندها وهي تتقلّب وتتنفّس الصّعداء، فلمّا رآها النّبيّ “ص” أنّها لا يُهنيها النّوم وليس لها قرار، قال لها: قومي يا بُنيّة، فقامت، فحمل النّبيّ “ص” الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أمُ كلثوم، فانتهى إلى عليّ “ع” وهو نائم، فوضع النّبيّ “ص” رجله على رجل عليّ فغمزه، وقال: قم يا أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادع لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج عليّ فاستخرجهما من منزلهما، واجتمعوا عند رسول الله “ص”.
#فقال رسول الله “ص”: يا عليّ، “أما علمت أنّ فاطمة بضعة منّي وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي”، قال عليّ: بلى يا رسول الله، قال: فما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال عليّ: والّذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما كان منّي ممّا بلغها شيء، ولا حدّثت بها نفسي، فقال: “صدقتَ وصدقتْ”، ففرحت فاطمة “ع” بذلك، وتبسّمت حتّى رُئي ثغرها.
#فقال أحدهما لصاحبه [أي أبا بكر وعمر وطلحة]: إنّه لعجبٌ لحينه ما دعاه إلى ما دعانا هذه السّاعة. قال: ثمّ أخذ النّبي “ص” بيد عليّ فشبك أصابعه بأصابيعه، فحمل النّبيّ “ص” الحسن، وحمل الحسين عليٌّ، وحملت فاطمة أمّ كُلثوم، وأدخلهم النّبيّ بيتهم، ووضع عليهم قطيفة، واستودعهم الله ثمّ خرج، وصلّى بقيّة الّليل…». [علل الشّرائع: ج1، 184].
#ويمكن أن تورد اعتراضات جمّة على هذه الرّواية لكنّا سنقتصر على ذكر بعض الواضحات منها، وهي:
#أوّلاً: النّص الدّرامي أعلاه يؤكّد بما لا مزيد عليه صورة نسويّة افراطيّة عن فاطمة “ع”، ويؤكّد إنّ الرّسول “ص” قد مارس دور الأب العنصريّ الّذي يجنح لبنته وليس للحقّ والحقيقة، وهي أمور تتنافى تمام التّنافي مع المعتقدات الإسلاميّة العامّة في خصوص رسول الله “ص”، والمعتقدات الإثني عشريّة الخاصّة في خصوص فاطمة “ع” أيضاً.
#ثانياً: يبدو من السّيناريو الّذي رواه الصّدوق إنّ اختراق البيت العلويّ كان سهلاً للغاية؛ إذ تمكّن شقيّ من الوصول إلى فاطمة “ع” من دون علم زوجها، واستطاع أن يُبلغها بشيء كاد يهدّد حياتها الزوجيّة بالانهيار لولا تدخّل والدها “ص” بطريقة ما، ولا ندري: كيف سمحت لنفسها “ع” قبول مثل هذه الوساوس وتصديقها دون فحص وهي الّتي ولدت في بيت القرآن؟!
#ثالثاً: إنّ السيّدة فاطمة “ع” وفق ما قرّره حفيدها الصّادق “ع” ـ كما في الرّواية ـ قد حُرمت من أجر المرابط المُهاجر في سبيل الله؛ باعتبارها لم تصبر ولم تحتسب وهي تسمع نيّة زوجها الزّواج عليها، بل ولم تبرّر له ذلك وتفترض حاجته له، الّلهم إلّا أن يقال: إنّ حنقها وغضبها كان ثأراً لأبيها وليس لها؛ باعتبار إنّها لا تُريد أن تكون ضرّتها بنت كافر كانت له مواقف سيئة للغاية مع أبيها في بداية رسالته، لكنّ هذا التّوجيه يناقضه تصريح حفيدها الصّادق “ع” كما في الرّواية بكون الغيرة النّسويّة وراء كلّ غضبها وزعلها.
#رابعاً: تتعاظم المشكلة أكبر وأكثر حينما نتحدّث وفقاً لنظريّة الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وعرضها العريض؛ إذ لم يكن عليّ زوجاً فقط، بل كان “ع” إماماً مفترض الطّاعة على فاطمة ع، كما إنّ فاطمة “ع” تعلم ما كان وما يكون وما هو كائن أيضاً، فكيف تمكّن هذا الشّقيّ من اختراقها، الّلهم إلا أن يُقال: إنّهما مارسا دوراً تعليميّاً لأغراض مذهبيّة خاصّة ستظهر فوائدها كما في الجزء الأخير من الرّواية الّذي سيأتي ذكره في البحوث الّلاحقة.
#خامساً: المستظهر من هذه الرّواية ببركة قول النّبي “ص” وفعله وتقريره هو جواز خروج النّساء من بيت الزّوجيّة من دون إذن زوجها إذا ما وسوس لها موسوس في إنّ لدى زوجها نيّة الزّواج عليها فضلاً عمّا إذا ما أخبرها بنفسه بذلك، كما ينبغي على الآباء الاصطفاف مع بناتهم وإهانة أزواجهنّ ومنعهم من الارتباط الثّاني، وهو خلاف النّصوص القرآنيّة والمرويّ عنه “ص” كما سنشرح ذلك في نتائج هذه السّلسلة، الّلهم إلّا أن يُقال: إنّ هذه الحادثة خاصّة تتحدّد بسببها وظروفها، وهذا ما يعوزه الدّليل وفقاً للأصل المتّبع في علم أصول الفقه الإثني عشريّ.
#سادساً: إنّ التّذرّع بالضّعف السّندي لهذه الحكاية غير نافع؛ وذلك لأنّنا لا نهدف من استعراضها الإيمان بصحّة صدورها أو بناء نتائج عقائديّة عليها، وإنّما أردنا أن نضيف شاهداً روائيّاً واضحاً يؤكّد التّطابق السُنّي والإثني عشريّ في اعتماد ما هو موجود في صحيحي البخاريّ ومسلم وبقيّة السُنن والمسانيد من فرضيّة إنّ عليّ بن أبي طالب “ع” هو السّبب الأوّل وراء صدور هذا الحديث الّذي تسرّب إلى الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ، ووظّفت له روايات تشرح الموقف بشكل تفصيلي، فما يحسبه بعض من لا علم ولا خبرة له إنّه من الإضافات الأمويّة دعوى عاطفيّة مذهبيّة لا قيمة معرفيّة لها على الإطلاق، خصوصاً مع فرضيّة إيمان الصّدوق بها أيضاً؛ وذلك لأنّه قد اعتاد في هذا الكتاب على تسجيل تحفّظه على النّصوص الّتي لا تنسجم مع معتقداته في هذا الخصوص، مصرّحاً بعدم اعتبارها شارحاً تنافيها مع قناعاته، بينما نجده لم ينبس ببنت شفة وهو يروي هذه الرّواية ومثيلاتها كما سنبيّن.
#سابعاً: الصّياغة الدّراميّة للجزء الأوّل من هذه الرّواية المتضمّن لإحضار أبي بكر وعمر وطلحة وإسماعهم النصّ النبويّ القاطع المصطفّ مع فاطمة ع تؤكّد وجود نيّة مبيّتة لذلك؛ إذ سيُوظّف هذا الحضور في الجزء الثّاني من الرّواية الّذي سنتعرّض له لاحقاً في سبيل إلزامهما الحجّة وتطبيق هذا النّص النبويّ القاطع عليهما وإخراج عليّ “ع” منه بطريقة حرفيّة، وهذا هو دور الصّناعة الكلاميّة والحديثيّة الّتي تسعى جهد إمكانها إلى صياغة النّصوص صياغات استدلاليّة لإلزام الطّرف المقابل وتصنيع مقولات عقائديّة أيضاً.
#وثامناً: لا خيار لمن يروّج لهذا الحديث بصيغه المشهورة سوى الإيمان بسبب صدوره أو إنكار ذلك، ومع الإنكار فلا يوجد أيّ مبرّر معرفي للتّمسّك به سوى الجهالة؛ إذ لم ترد هذه الصّيغة بسند صحيح عند أهل السُنّة إلّا ومعها هذا السّبب إمّا صريحاً أو تضمّناً؛ باعتبار إنّ الرّواي لجميعها واحد، وإن أُريد الحجاج وإلزام الطّرف الآخر بما ألزم به نفسه فهذا الحديث بعد معرفة سببه سيكون علينا وليس لنا، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...