تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الرّابعة

12 فبراير 2019
595
ميثاق العسر

#اتّضح ممّا تقدّم: إنّ صيغة حديث “فاطمة بضعة منّي من آذاها آذاني” أو غيرها من الصّيغ المتقاربة الّتي تربط غضب رسول الله بغضبها إنّما صدرت بسبب إغاظة وإغضاب عليّ “ع” لها بسبب خطبته بنت أبي جهل؛ الأمر الّذي حدا بالنّبي “ص” إلى تهديده تهديداً شديد الّلهجة مخيّراً إيّاه بين بنته أو بنت أبي جهل، وهذا […]


#اتّضح ممّا تقدّم: إنّ صيغة حديث “فاطمة بضعة منّي من آذاها آذاني” أو غيرها من الصّيغ المتقاربة الّتي تربط غضب رسول الله بغضبها إنّما صدرت بسبب إغاظة وإغضاب عليّ “ع” لها بسبب خطبته بنت أبي جهل؛ الأمر الّذي حدا بالنّبي “ص” إلى تهديده تهديداً شديد الّلهجة مخيّراً إيّاه بين بنته أو بنت أبي جهل، وهذا الصّيغ المتقاربة وسياقها الحصريّ قد رويت في صحيحي البخاري ومسلم ومعظم السُنّن والمسانيد والمعاجم السُنيّة عن المسور بن مخرمة كما نوّهنا مفصّلاً فيما مضى من بحوث فراجع.
#لكنّ هناك صيغة أخرى لهذا الحديث تتحدّث عن ربط غضب الله بغضبها ورضا الله برضاها قد رويت مستقلّة ومن دون الإشارة لهذا السّبب في بعض المصادر السُنيّة من الدّرجة الثّانية أو الثّالثة وبتوسّط طريق واحد فقط، الأشبه ـ كما حُكي عن الدّارقطني ـ إنّه مرسل لا متّصل، وقد تسرّبت هذه الرّواية مع طريقها إلى المصادر الإثني عشريّة أيضاً، من هنا فقد يدّعي مدّع متوهّماً صدور مثل هذه الصّيغة بعيداً عن سياقها المشهور وسبب نزوله وصدوره المعروف مثلاً، لكنّ ما ينبغي إلفات النّظر إليه: إنّ هذا الحديث وصيغته المنقولة لا يمكن الاحتجاج بها على عموم أهل السُنّة على الإطلاق، بل هي حجّة وملزم لمن قبل به وهم قلّة قليلة بطبيعة الحال كما سنبيّن خلافاً للصّيغة المشهورة وسياقها الوارد في الصّحيحين وغيرهما بل بعضهم متّهم بالتّشيّع جهاراً نهاراً، كما لا يمكن الاعتماد عليه في داخل الجسم الإثني عشريّ أيضاً؛ لوجود مشاكل أسناديّة عميقة فيه كما سنوضح أيضاً.
#واستيفاءً للبحث حول هذا الحديث بصيغته الجديدة المطوّرة، ولمعرفة كيفيّة تسرّبه إلى التّراث الإثني عشريّ، نجد من المناسب استعراضه بمعيّة رجال سنده كما ورد في أقدم وأشهر المصادر الّتي أشارت إليه، ونعطف الحديث بعد ذلك لتقييمها السّندي والدّلالي وفقاً لكلمات محقّقي أهل السُنّة أيضاً، وسنعرض ذلك في محطّات:
#المحطّة الأولى: رواه ابن أبي عاصم المتوفّى سنة: “287هـ” في كتابه الآحاد والمثاني بنحو الإرسال حيث قال: «حدّثنا عبد الله بن سالم المفلوج وكان من خيار النّاس، حدّثنا حسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عن عمر بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [الصّادق “ع”]، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين بن عليّ [السجّاد “ع”]، عن عليّ “رض” عن النّبي ص أنّه قال لفاطمة “رض”: “إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك”».[الآحاد والمثاني لإبن أبي عاصم: ج5، ص363].
#المحطّة الثّانية: ورواه الطّبراني المتوفّى سنة: “360هـ” في موضعين من معجمه الكبير، الأوّل في: “باب نسبة عليّ بن أبي طالب “رض” “، حيث قال: «حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرميّ، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن سالم القزّاز، حدّثنا حسين بن زيد بن عليّ، عن عليّ بن عمر بن عليّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسن، عن الحسين بن عليّ “رض”، عن عليّ “رض”، قال: قال رسول الله ص لفاطمة “رض”: “إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك”». [ج1، ص108]. والثّاني في: “باب ذكر سنّ فاطمة ووفاتها ومن أخبارها”، فقال: «حدّثنا بشر بن موسى ومحمّد بن عبد الله الحضرميّ، قالا: حدّثنا: عبد الله بن محمّد بن سالم القزّاز، قال: حدّثنا حسين بن زيد بن علي وعلي بن عمر بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي قال…». [ج22، ص401].
#المحطّة الثّالثة: كما رواه الحاكم النّيسابوريّ المتوفّى سنة: “405هـ” حيث قال: «حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، حدّثنا الحسن بن عليّ بن عفّان العامريّ، وأخبرنا محمّد بن عليّ بن دحيم بالكوفة، حدّثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، قالا: حدّثنا عبد الله بن محمّد بن سالم، حدّثنا حسين بن زيد بن عليّ، عن عمر بن عليّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ رض، قال: قال رسول الله ص لفاطمة: إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»، وهنا علّق الحاكم قائلاً: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه». [مستدرك الحاكم: ج3، ص167].
#نلاحظ:
#أوّلاً: لم يرد هذا الحديث بصيغته المطوّرة وبسنده الحالي في كتب الصّحاح والسُنن المعروفة ـ وهذا قيد مهمّ ـ عند أهل السُنّة، وإنّما ورد في كتب تعدّ من الدّرجة الثّانية أو الثّالثة عندهم حتّى وإن تقدّم التّاريخ الزّماني لمصنّفيها، ويخضع كلّ ما ورد فيها للنّقد والفحص السّنديّ والمضمونيّ بشكل دقيق، لذا فإنّ الاحتجاج على أهل السُنّة بورود رواية في أمثال هذه الكتب لا يصحّ دون توفّر الشّروط الّلازمة، كما إنّ التّشدّق على الأتباع بدعوى ورود هذه النّصوص في أمثال هذه الكتب لا يُعدّ صحيحاً أيضاً دون توافر ضوابط الاعتبار والمقبوليّة فيه، خلافاً لورود الحديث في كتب الصّحاح والسُنن المعروفة؛ خصوصاً في صحيح البخاري ومسلم.
#ثانياً: حينما سُئل الدارقطني المتوفّى سنة: “385هـ” عن سند هذا الحديث كشف عن وجود مشكلة سنديّة عميقة فيه؛ حيث أجابه قائلاً: «يرويه حسين بن زيد بن علي، عن علي بن عمر بن علي، عن جعفر بن محمد [الصّادق]، عن أبيه [الباقر]، عن جده [السجّاد]، عن الحسين بن علي. وغيرُه يرويه عن جعفر [الصّادق]، عن أبيه [الباقر]، مرسلاً، والمرسل أشبه». [العلل الواردة في الأحاديث النّبويّة: ج3، ص103]، وهذا يعني: إنّ هذه الصيغة من الحديث تعتبر مرسلة لا مسندة؛ وعلى هذا الأساس تسقط عن الاعتبار حتّى لو كان جميع رجالها من الثّقات وكان مضمونه غير منكر.
#ثالثاً: ربّما يكون هناك تصحيف قد وقع في نسخ بعض الأسانيد الواردة في بعض الكتب أعلاه بالإضافة إلى بعض المشاكل الأخرى؛ إذ الظّاهر إنّ الواسطة ما بين حسين بن زيد وما بين جعفر بن محمّد الصّادق “ع” هو عليّ بن عمر بن عليّ، لا عمر بن عليّ كما جاء في النّسخ المطبوعة لهذه الكتب؛ نقول هذا اعتماداً على الأسانيد الّتي وردت للحديث في بقيّة الكتب السنيّة وكتب الحديث الإثني عشريّة الّتي تسرّب هذا الحديث إليها أيضاً، وأيضاً ما تقدّم من كلام الدّارقطني. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...