تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الثّالثة

12 فبراير 2019
604
ميثاق العسر

#أمّا مسلم بن الحجاج المتوفّى سنة: “261هـ” فقد موضع عموم الأحاديث الخمسة ـ الّتي فرّقها قرينه البخاري ـ في موضع واحد فقط حمل عنوان: “باب فضائل فاطمة رض”، وحيث إنّنا نهدف إلى كشف الحقيقة وتعميقها، وقطع الطّريق أيضاً أمام من اتّخذ طريق التّقيّة والمحاباة والكذب في المجالات العلميّة الصّرفة نضطرّ إلى نقل نصوص صحيح مسلم […]


#أمّا مسلم بن الحجاج المتوفّى سنة: “261هـ” فقد موضع عموم الأحاديث الخمسة ـ الّتي فرّقها قرينه البخاري ـ في موضع واحد فقط حمل عنوان: “باب فضائل فاطمة رض”، وحيث إنّنا نهدف إلى كشف الحقيقة وتعميقها، وقطع الطّريق أيضاً أمام من اتّخذ طريق التّقيّة والمحاباة والكذب في المجالات العلميّة الصّرفة نضطرّ إلى نقل نصوص صحيح مسلم كما أخرجها في صحيحه، وهي عبارة عن:
#أوّلاً: روى مسلم بن الحجّاج بإسناده عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التّيمي، «إنّ المسور بن مخرمة حدّثه أنّه سمع رسول الله “ص” على المنبر وهو يقول: إنّ بني هاشم بن المغيرة استأذنونيّ أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، إلّا أن يُحبّ ابن أبي طالب أن يُطلّق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنّما ابنتي بضعةٌ منّي، يُريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها». [صحيح مسلم، باب فضائل فاطمة “رض”: ج7، ص140، دار الجيل].
#وثانياً: وروى أيضاً عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: «قال رسول الله “ص”:إنّما فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها». [صحيح مسلم، باب فضائل فاطمة “رض”].
#وثالثاً: وقال أيضاً: «حدّثني أحمد بن حنبل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن الوليد بن كثير، حدّثني محمّد بن عمرو بن حلحلة الدّؤلي، أنّ ابن شهاب حدّثه: أنّ عليّ بن الحسين [السجّاد “ع”] حدّثه: أنّهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية [بعد] مقتل الحسين بن عليّ رض، لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إليّ من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا، قال له: هل أنت معطي سيف سول الله ص؟ فإنّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليه أبداً حتّى تبلغ نفسي، إنّ عليّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعتُ رسول الله “ص” وهو يخطب النّاس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: “إنّ فاطمة منّي، وأنّي أتخوّف أن تُفتن في دينها”. قال [المسور بن مخرمة]: ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه فأحسن، قال: حدّثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإنّي لستُ أُحرّم حلالاً ولا أُحلّ حراماً، ولكنّ والله لا تجتمع بنت رسول الله “ص” وبنت عدوّ الله مكاناً واحداً أبداً».[صحيح مسلم، باب فضائل فاطمة “رض”].
#ورابعاً: وروى كذلك بإسناده عن محمّد بن شهاب الزّهري، قال: «أخبرني عليّ بن حسين [السجّاد “ع”]، أنّ المسور بن مخرمة أخبره: أنّ عليّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله “ص”، فلمّا سمعت بذلك فاطمة أتت النّبي “ص”، فقالت له: إنّ قومك يتحدّثون أنّك لا تغضب لبناتك وهذا عليّ ناكحاً ابنة أبي جهل، قال المسور: فقام النّبي “ص”، فسمعته حين تشهّد، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي أنحكت أبا العاص بن الرّبيع، فحدّثني فصدقني، وإنّ فاطمة بنت محمّد مضغة منّي، وإنّما أكره أن يفتنوها، وإنّها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً. قال [المسور]: فترك عليّ الخطبة. وحدّثنيه أبو معن الرّقاشي… عن الزّهري بهذا الإسناد نحوه». [صحيح مسلم، باب فضائل فاطمة “رض”].
#وقد تسأل: هل رويت هذه الصّيغة بشكل متّصل عن الرّسول “ص” بتوسّط أحد غير المسور بن مخرمة في الكتب السُنيّة المعروفة والمعتبرة؟!
#والجواب: لقد تفرّد التّرمذي المتوفّى سنة: “279هـ” بروايتها عن غير المسور حيث قال: «حدّثنا أحمد بن منيع، حدّثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير: أنّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النّبي “ص” فقال: إنّما فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها». [سنن التّرمذي: ج5، ص698].
#وهذا الأسناد وإن حكموا بصحّته، لكن التّرمذي نفسه نصّ على رواية غير واحد لهذا الحديث عن المسور بن مخرمة، لذا احتملوا أن عبد الله بن الزّبير قد سمع الحديث عن المسور بن مخرمة، والّذي يصغره بأربعة شهور كما نقلوا؛ فالحديث إذا ما أحسنا الظّن به قد رواه صبيّان لا تتجاوز أعمارهما حين سماعه المفترض سوى الثّمان سنوات ونيّف.
#وممّا تقدّم يتّضح: إنّ حديث كون فاطمة بضعة من الرّسول “ص” وإنّ غضبها يوجب غضبه “ص” إنّما هو وارد في صحيحي البخاري ومسلم عن شخصٍ واحد اسمه المسور بن مخرمة، وإنّ السّياق الّذي حدا بالرّسول “ص” إلى طرح هذا النصّ إنّما هو إغاظة عليّ “ع” زوجته فاطمة “ع” وتحدّيه لغيرتها؛ باعتباره أقدم على خطبة بنت أبي جهل أو أشيع ذلك عنه، فما كان من الرّسول “ص” بعد أن رأى فاطمة قد غضبت إلّا أن يهدّد عليّاً “ع” ويخيّره بين طلاق فاطمة “ع” وزواج بنت أبي جهل؛ لأنّه يخشى أن يكون هذا الأمر مفضياً إلى افتتان فاطمة “ع” في دينها، فما كان من عليّ “ع” إلّا أن يلغي موضوع الخطبة من أساسه، لكن لماذا لا نعثر على هذا السّياق ونحن نشيع وننشر ونبني ونؤجّج ونستنتج من هذا الحديث ما شاء الله من النّتائج المذهبيّة العميقة، ونصوّر للجماهير إنّه حديث كان يقصد الرّسول “ص” حين إطلاقه التّنبّؤ بمخالفة الأمّة لعلي بن أبي طالب “ع” وإغاظتهم لفاطمة “ع” بعد رحيله؟! [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...