تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الثّالثة عشر

28 مارس 2019
81
ميثاق العسر

#أوضحنا فيما تقدّم فقدان تفرّدات المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” في خصوص أحاديث غضب فاطمة “ع” لأيّ قيمة رجاليّة يمكن الاتّكاء عليها في تصحيح الحديث المذكور سواء أ كان الأمر بصيغته المشهورة أو المطوّرة، وقلنا: إنّها مبتلاة بآفات كثيرة تمنع من قبولها واشتقاق مقولات عقائديّة أو فقهيّة من خلالها، وقد كان حديثنا مقصوراً على مباني […]


#أوضحنا فيما تقدّم فقدان تفرّدات المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” في خصوص أحاديث غضب فاطمة “ع” لأيّ قيمة رجاليّة يمكن الاتّكاء عليها في تصحيح الحديث المذكور سواء أ كان الأمر بصيغته المشهورة أو المطوّرة، وقلنا: إنّها مبتلاة بآفات كثيرة تمنع من قبولها واشتقاق مقولات عقائديّة أو فقهيّة من خلالها، وقد كان حديثنا مقصوراً على مباني المتأخّرين من أصحابنا في التّصحيح والتّضعيف، والّتي فرضت هيمنتها على حوزاتنا العلميّة منذ فترة طويلة.
#وفي هذا السّياق: فربّما يتوهّم أحدٌ أنّ المتقدّمين من أصحابنا كانوا يعتمدون مبدأ الوثوق في التّحديث بالنّصوص الرّوائيّة للحكم بصحّتها، ولا يهمّهم كثيراً وثاقة شخص الرّاوي أو وثاقة من كان في طريق كتابه كما هو مبنى مشهور المتأخّرين؛ لأنّ جميع هذه النّصوص كانت مدوّنة ومعروفة ومشهورة، ولا ينبغي أن ننتظر تقييماً رجاليّاً لاحقاً لهم بغية الأخذ بمؤدّى كلامهم في أصولهم وكتبهم ومصنّفاتهم المعروفة.
#وربّما يتوهّم آخر أيضاً فيرى: أنّ المرحوم الصّدوق حينما ينصّ في كتابه الاعتقادات على مقولة عقائديّة ما ويعزّزها بأكثر من حديث بطريقة مُرسلة فهو يُشير إلى مطلب متواتر معروف لا مرية فيه بين الأصحاب في تلك الأعصار، وبالتّالي: فلا معنى لتضعيف رجال أسانيد مرويّاته الدّاعمة لهذه المقولة طالما كان المطلب مشهوراً ومعروفاً بينهم!!
#وهكذا قد يذهب واهم آخر: إلى إنّنا وإن لم نعثر على سند صحيح بالمعنى الفنّي للكلمة لحديث غضب فاطمة “ع” في كتب متقدّمي أصحابنا، لكنّ هذا لا يضرّ بقطعيّة صدوره؛ وذلك لأنّنا إذا جمّعنا الأسانيد الضّعيفة والمهملة والمجهولة والمنقطعة الواردة في تراثنا حول حديث غضب فاطمة “ع” فسيحصل اطمئنان أو جزم بصدوره وفقاً لحساب الاحتمالات، وبالتّالي فلا حاجة للبحث السّنديّ أصلاً؛ لأنّ تواتره يغني عن ذلك!!
#لكنّ جميع هذه التّوهّمات فاسدة للغاية؛ وذلك:
#أوّلاً: المشهور إنّ متقدّمي أصحابنا كانوا يؤمنون بثنائيّة تقسيم الأحاديث لا رباعيّته، بمعنى: إنّ الحديث عندهم إمّا صحيح وإمّا ضعيف، وفي ضوء هذ التّقسيم: فإذا أردنا أن نتّكئ على الموازين المشهورة نسبتها إليهم في هذا التّنويع فسنجد إنّ حديث غضب فاطمة “ع” لن يكون من صنف الحديث الصّحيح على الإطلاق؛ وذلك: لأنّ هذا الحديث لا هو موجود في كثير من الأصول الأربعمائة الّتي نقلها الأصحاب عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة، ولا هو متكرّر في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة، ولا هو موجود في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم، ولا هو مأخوذ من أحد الكتب الّتي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء أ كان من الإماميّة أو غيرهم، ومع عدم توفّر أيّ واحدة من هذه الشّروط لحديث غضب فاطمة “ع” فكيف جاز أن يدّعي مدّع صحّة هذا الحديث على مباني المتقدّمين؟! أجل؛ إنّها المذهبيّة.
#ثانياً: أشرنا فيما تقدّم إلى اشتمال تراث المرحوم الصّدوق على أسانيد للصّيغة المشهورة والصّيغة المطوّرة من حديث غضب فاطمة “ع”، وقلنا: إنّ جميعها تعاني من ضعف ومجهوليّة وإهمال في أسانيدها على مباني المتأخّرين، على إنّ ضعفها على مباني المتقدّمين معلوم أيضاً؛ وذلك لأنّ الصّدوق لم يروها ـ في عموم أسانيده ـ عن أصل مسلّم الانتساب إلى صاحبه على الإطلاق، كما لا معروفيّة له بين الأصحاب في مرحلة ما قبل نقولات الصّدوق عنه أيضاً، وشاهد ذلك: خلوّ جميع الكتب الّتي اعتمدت في تصنيفها على الأصول والكتب المعروفة منه، ولو كانت تحتوي عليه لبادر أمثال الصفّار والكليني لتسجيله في مدوّناتهم مع شدّة حرصهم على تسجيل أمثاله؛ ولا شتهر وانتشر وتكاثرت رواته أيضاً، مع إنّ الأمر ليس كذلك.
#وثالثاً: على أساس ما تقدّم في النّقطة أعلاه فلا يمكن تطبيق إحدى أوصاف الصّحيح عند المتقدّمين على مرويّات الصّدوق في هذا الخصوص على الإطلاق، وحتّى لو سلّمنا ـ ولا نسلّم ـ بنقل الصّدوق هذه المرويّات من أصول معلومة الانتساب إلى أصحابها فالحديث يتحدّث عن السّياق السُنّي الّذي صدر فيه حديث الإغضاب وليس عن أمر مستقل آخر ليصحّ الاستدلال به لانتاج مقولات مذهبيّة داخليّة وخارجيّة فراجع ولا نعيد.
#ورابعاً: إنّ المبنى الّذي يستند إليه المرحوم الصّدوق في تمرير مثل هذه المرويّات ذات المشاكل السّنديّة والمضمونيّة العميقة هو: إيمانه بأنّ التّواتر يحصل من خبر يرويه ثلاثة أشخاص فقط كما صرّح جهاراً نهاراً في كتابه المطبوع تحت عنوان كمال الدّين وتمام النّعمة!! ولا يعني اعتماده عليها أو التّبشير بها كونها: متواترة حقيقة، بل ولا يعني ذلك: أنّ رجال سندها ممّن يوثق بآحادهم حتّى بالنّسبة إلى شخص مبانيه أيضاً؛ إذ قد يكون جملة منهم من المجاهيل بالنّسبة إليه، ناهيك عن المضامين الباطلة والمكذوبة الّتي حملتها أسانيده الّتي نقل عن طريقها حديث غضب فاطمة “ع” كحديث الهريس والياقوت الأحمر والحوت وعورات المرأة… إلخ من الأكاذيب والمضامين المذهبيّة الفاحشة الّتي نُسبت إلى رسول الله”ص” وأهل بيته “ع”، لكن حيث إنّه ينافح من أجل إثبات الذّات المذهبيّة في الصّراع مع الأطراف الدّاخليّة والخارجيّة فلا مشكلة في الاعتماد على أمثالها.
#وخامساً: في ضوء هذا الرأي العجيب الغريب من المرحوم الصّدوق في مقدار ما يحقّق التّواتر فلا نستغرب إذا ما حشّى المرحوم الصّدوق تراثه بألوان من الغرائب والموضوعات؛ وقد أوضحنا في دراسات سابقة: إنّ جملة من الاعتقادات الّتي نصّ عليها في كتبه وتراثه إنّما هي ناتجة من مرويّات من هذا القبيل، وبمرور الأزمنة وتقادم الأيّام أصبحت متواترات الصّدوق قطعيّات جزميّات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، مع إنّا إذا رجعنا إلى الرّوايات الّتي خلفها لا نجدها سوى آخبار آحاد ضعيفة مملوءة بالمجاهيل، والأمر أوضح في بعض مراسيله في الفقيه أيضاً؛ ومحاولة تصحيحها استناداً إلى ما ذكره في المقدّمة فاسدة أيضاً؛ لأنّه لم يلتزم بما ذكره ولم يف بوعده، وهذا ما سجّله عليه جملة من المحقّقين، وتفصيل ذلك عائد إلى بحوثنا حول تفرّداته فراجع.
#وسادساً: اضطرّ بعض المعاصرين ممّن عُرف بالتشدّد السّندي إلى الحكم باعتبار أسانيد الصّدوق الثّلاثة؛ مدّعياً إنّ اجتماع ثلاثة أشخاص على رواية حديث واحد وبالّلفظ نفسه يوجب الاطمئنان عادة بصدوره!! وقد حار بعد إيمانه بهذا المبنى في توجيه جملة من الأحاديث الواردة عن هذه الأسانيد ولم يجد مخلصاً سوى التّأويل التّعسّفيّ لها أو ردّ علمها إلى أهلها، مع إنّ الحكم باعتبار الحديث وتصحيحه على أساس عدم احتمال تواطؤ هؤلاء المشايخ المجهولين على الكذب كلام مذهبيّ ساقط لا قيمة له، خصوصاً وإنّ الحديث ليس حديثاً يرتبط بمسألة فقهيّة جزئيّة بسيطة لكي يمكن غضّ الطّرف عن جهالة آحاد أسانيده، وإنّما هو حديث يُراد أن يُؤسّس على أساسه مقولات مذهبيّة عُظمى.
#وسابعاً: إنّ تكثير الأسانيد في المدوّنات الحديثيّة المتأخّرة بأربعة قرون على أصل الحادثة لا يُعدّ نافعاً في تجاوز الضّعف والمجهوليّة والانقطاع الحاصل فيها مع توفّر دواعي الكذب المذهبيّ وخلوّ الأصول المتلقّاة من إشارة لها بل ووضوح وضعها ومنحوليّتها بأقلّ فحص، ومن ثمّ يكون هذا التّكثير من قبيل وضع حجر إلى جنب حجر آخر، وإذا أردنا أن نُحسن الظّن فهي في أحسن الأحوال تُشير إلى الحديث الصّحيح والمسلّم في التّراث السُنّي مع سببه الحصريّ أيضاً وهو: إغضاب عليّ “ع” وإغاظته لفاطمة “ع” وليس لأمر آخر خصوصاً، وبالتّالي: فادّعاء تواتر صدوره عن النّبيّ “ص” بمعزل عن هذا السّبب بل وادّعاء منحوليّة هذا السّبب أيضاً لهو من المضحكات الّتي لا تفسير لها غير المذهبيّة المطعّمة بالجهل بأبسط قواعد علم الحديث وأساساته؛ خصوصاً: حينما نحذف سببها الصّريح أو الضّمني الوارد في آحاد جملة من هذه المرويّات ونجعلها كشاهد على تواتر صدورها مستقلّة!!
#وثامناً: لا شكّ في إنّ ورود التّنصيص الخاصّ على وثاقة رجال السّند ليس نهاية كلّ شيء لدى أتباع المنهج السّنديّ، ومن هنا تجدهم يلجأون إلى آليّات الوثاقة العامّة من أجل ذلك وربّما غيرها، لكنّنا لا يمكننا تطبيق مثل هذا المنهج في محلّ بحثنا؛ وذلك: لأنّ الضّعف والمجهوليّة والانقطاع الواردة في هذه الأسانيد المرويّة في تراث الصّدوق وغيره لا يمكن تجاوزها ببساطة؛ إذ لا يمكن أن يُقبل حديث بهذا الحجم الحجيم، والّذي أُسّست على أساسه أساسات المذهب الإثني عشريّ وحقّانيّته وهو يحمل مثل هذه المشاكل الجمّة في أسناده، ومع هذا لم يرد له عين ولا أثر في تراث المتقدّمين لا بإسناد صحيح ولا بغيره أيضاً، وإنّما يضطرّ الصّدوق وغيره لإدخاله إلى الجسم الإثني عشريّ من خلال نوافذ سُنيّة وزيديّة كما نوّهنا، فنلجأ للحكم باعتباره من خلال بيانات مذهبيّة مهلهلة ولا نريد الاعتراف بالخلل الكبير فيها. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...