تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الثّانية عشر

15 مارس 2019
197
ميثاق العسر

#نوّهنا فيما تقدّم إلى إنّ السّبب الحصريّ لصدور الحديث النّبويّ المشهور في التّراث السُنّي القائل: “فاطمة بضعة منّي يغضبي ما يغضبها” وما شابه ذلك من صيغ إنّما هو إغاظة عليّ “ع” وإغضابه للسيّدة فاطمة “ع” حين خطبته بنت أبي جهل أو سماعها “ع” خبر ذلك، وعلى هذا الأساس فإنّ أيّ محاولة لتصحيح صدور هذا الحديث […]


#نوّهنا فيما تقدّم إلى إنّ السّبب الحصريّ لصدور الحديث النّبويّ المشهور في التّراث السُنّي القائل: “فاطمة بضعة منّي يغضبي ما يغضبها” وما شابه ذلك من صيغ إنّما هو إغاظة عليّ “ع” وإغضابه للسيّدة فاطمة “ع” حين خطبته بنت أبي جهل أو سماعها “ع” خبر ذلك، وعلى هذا الأساس فإنّ أيّ محاولة لتصحيح صدور هذا الحديث عن طُرق أهل السُنّة بمعزل عن سببه الحصري تُعّد محاولة ساذجة جدّاً؛ باعتبار إنّ وضوح وارتكاز هذا السّبب في التّراث السُنّي بمكان بحيث لا يمكن تجاوزه وتخطّيه، وهذا من الواضحات.
#وفي هذا السّياق تجدر الإشارة إلى: إنّ ما ذكرناه من الرّوايات في خصوص إغاظة عليّ “ع” للسيّدة فاطمة “ع” وإغضابه لها إنّما هو مقصور على ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم، وإذا أردنا أن ننقل الرّوايات المتعلّقة بذكر خطبة عليّ “ع” لبنت أبي جهل الواردة في بقيّة السُنن والمسانيد فسيطول الحديث كثيراً، كما أنّ هذه الفقرة المشهورة من الحديث لم يرد لها ذكر إلّا في هذا السّياق، إمّا مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال وحدة الرّاوي، لذا فإنّ دعوى وضعها ومنحوليّتها وإنّ الحديث صدر بمناسبات أخرى ليس لها علاقة بهذا السّبب المعروف عندهم هي دعوى لا تصدر من أصاغر الطّلبة فضلاً عن غيرهم، الّلهم إلّا إذا كان ذلك نابع من مآرب مذهبيّة جدليّة صرفة لذرّ الرّماد في عيون المقلِّدين، لكنّ هذا خروج عن محلّ البحث، ولا يعنينا التّعرّض له؛ ولكلّ فريق آليّاته وطرائقه في الحفاظ على طبيعة وعي جمهوره وباب العناوين الثّانويّة مفتوح على مصراعيه.
#وتعميقاً لهذا المطلب سنعمد إلى ذكر رواية أخرى وردت في التّراث السُنّي وسنقدّم بعض الإيضاحات المرتبطة بالموضوع لها؛ لإسهام ذلك في إنارة البحث وإزاحة الغموض المذهبيّ القاهر الّذي يكتنفه، فقد جاء في مسند أحمد المتوفّى سنة: “241هـ” حديث تحت الرّقم: “18907” بإسناده عن عبد الله بن جعفر، عن «أمّ بكر بنت المسور بن مخرمة، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور، أنّه بعث إليه حسن بن حسن يخطب ابنته، فقال له: قل له فليلقني بالعتمة، قال: فلقيه، فحمد المسور الله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعد، والله ما من نسب ولا سبب ولا صهر أحبّ إليّ من سببكم وصهركم، ولكنّ رسول الله “ص” قال: “فاطمة مضغة منّي يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإنّ الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري”، وعندك ابنتها [حيث كانت زوجته فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب “ع”]، ولو زوّجتك لقبضها ذلك، فانطلق عاذراً له». [مسند أحمد: ج31، ص207]، كما جاء الحديث في مسنده أيضاً تحت الرّقم: “18930”، لكنّه جعل جعفر الصّادق “ع” مشاركاً لأمّ بكر بنت المسور في رواية الحديث عن عبد الله بن أبي رافع. [مسند أحمد: ج31، ص258، ط الرّسالة].
ومن هنا فربّما يُقال كما قيل أيضاً: «لو كان مسور يروي قصّة خطبة أبي جهل لاستشهد بها وحكى الحديث كاملًا؛ لشدّة المناسبة بين خطبة عليٍّ ابنة أبي جهل وعنده فاطمة، وخطبة الحسن بن الحسن ابنة المسور وعنده بنت عمه»، وحيث لم يفعل ذلك فيُستكشف إنّ أصل هذه الفقرات كانت مستقلّة ولم تُطرح لهذا السّبب أصلاً، كما إنّ وجود فقرة : “وإنّ الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري” في الحديث تكشف عن إنّ الحديث قد صدر لسبب مستقلّ ليس له علاقة بحكاية خطبة بنت أبي جهل؛ وذلك لأنّ هذه الفقرة لا تنسجم مع منع عليّ “ع” من الزّواج على فاطمة “ع”.
#وفي مقام إجابة مثل هذا الاعتراضات يحسن بنا تقديم بعض الإيضاحات:
#الأوّل: إنّ مضمون الحديث وإن كان صحيحاً وفقاً لمقاييس أهل السُنّة بنحو من الأنحاء، لكنّ صحّته تختصّ بما لا يشمل ذيله المُضاف إليه، ومن هنا نجد إنّ محقّقاً معاصراً كشعيب الأرنؤوط ينصّ في التّعليق على هذا الحديث قائلاً: «حديث صحيح دون قوله: “وإنّ الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري”؛ فهو حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف؛ [فإنّ] أم بكر بنت المسور لم يرو عنها إلا ابن ابن أخيها عبد الله بن جعفر المخرمي، ولم يوثّقها أحد، وذكرها الذهبي في المجهولات من “الميزان “، وقال الحافظ في “التقريب”: مقبولة» [المصدر السّابق: ص208].
#الثّاني: من الواضح إنّ تمنّع المسور عن تزويج بنته إلى الحسن المثّنّى سببه ما يدّعي المسور سماعه المباشر من رسول الله “ص” لسببه الحصريّ أيضاً، وهو الّذي حدّث به لإبن عمّ الحسن المثنّى أي: عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” وإلى ابن أبي مليكة والزّهري أيضاً، أعني: قصّة غضب فاطمة “ع” وغيظها بسبب إقدام عليّ “ع” على خطبة بنت أبي جهل أو وصول خبر حول ذلك، الأمر الّذي حدا بالنّبي “ص” ـ حسب نقل المسور ـ إلى الاصطفاف بجنب بنته وأصدار قوله الشّهير: “فاطمة بضعة منّي…إلخ”، ومن الطّبيعي أن يقول المسور للحسن المثنّى خاطب بنته: إنّ تزويجك بنتي وتحت يدك حفيدة فاطمة الزّهراء “ع” وسميّتها يوجب غضبها وحنقها وإغاظتها، وعليه فلا أكون مغضباً ومغيظاً لرسول الله “ص” بذلك، ومن دون هذا المعنى الواضح لتمنّع المسور فلا يوجد أيّ مبرّر لتفسيره؛ إذ يدور تمنّعه مدار طبيعة الغضب الّذي صدر من السيّدة فاطمة “ع” تجاه زوجها بسبب إرادته الزّواج عليها أو سماعها بخبر ذلك، ولا شكّ إنّ مثل هذا الغضب سوف يحصل عند حفيدتها [أو عندها كما سنبيّن في البحوث الّلاحقة] حينما تحصل مسبّباته وفقاً لقراءة المسور ونقولاته.
#الثّالث: إنّ الرّواية مع هذا الذّيل المقحم تحمل تناقضاً لا يمكن فهمه؛ وذلك لأنّ زواج الحسن المثنّى ببنت المسور يحقّق اتّصال النّسب النّبويّ واستمراريّته؛ فهو حفيد فاطمة بنت محمّد “ع”، وزواجه من بنت المسور سينتج حفدة للسيّدة فاطمة “ع” أيضاً، فلماذا يتمنّع المسور بمثل هذا التّعليل؟! وهذا يعني: إنّ هذا الذّيل أقحم في الحديث، وليس له علاقة به لا من قريب ولا من بعيد، وإن أبيت ذلك فقل إنّه مقدّم على هذه الفقرة، بمعنى: إنّ المسور أراد أن يوضّح للحسن المثنّى إنّ التّناسب معك يوجب عدم انقطاع النّسب النّبويّ في يوم تقطّع فيه جميع الأنساب إلّا نسبكم، ولكنّ نظراً لأنّ هذا الموضوع يوجب غضب فاطمة فلا ينبغي الإقدام عليه؛ وذلك لأسباب كثيرة تتحمّل مسؤوليّة بيانها الإيضاحات الّلاحقة.
#الرّابع: أخرج الحاكم النّيسابوريّ المتوفّى سنة: “406هـ” الحديث في مستدركه في باب مناقب فاطمة “ع” بإسناده عن جعفر بن محمّد الصّادق “ع”، عن عبد الله بن أبي رافع، عن المسور بن مخرمة من دون ذكر للخطبة والذّيل، مكتفياً بقوله: «قال رسول الله “ص”: إنّما فاطمة شجنة منّي يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها» [المستدرك: ج3، ص154، ط الهندية]، نعم؛ عاد ليخرج الحديث مرّة أخرى وفيه الخطبة والذّيل الملحق، لكنّه رواه عن أمّ بكر بنت المسور بن مخرمة فقط ولم يشرك الصّادق “ع” معها في الرّواية عن عبيد الله بن أبي رافع، وهذا يعزّز الشّواهد على إضافة هذا الذّيل. [المصدر السّابق: ج3، ص158]
#الخامس: أخرج الطّبراني المتوفّى سنة: “360هـ” في معجمه الكبير بسنده الّذي وصف أحد رجاله بكونه منكر الحديث، عن عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عمّته أم بكر بنت المسور مرسلاً قولها: «إنّ الحسن بن علي خطب إلى المسور بن مخرمة ابنته فزوّجه، وقال: سمعت رسول الله “ع” يقول: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة الّا سببي ونسبي». [المعجم الكبير: ج20، ص27]، كما روى الطّبراني أصل الحديث مع هذا الذّيل قبلها، لكنّه جعل أمّ بكر بن المسور ترويه عن جعفر الصّادق “ع”. [ج20، ص27].
#السّادس: أقدم ابن عساكر على وضع الباقر “ع” كواسطة بين الصّادق “ع” وبين عبد الله بن أبي رافع، وهو أمر خلت منه عموم المسانيد والسُنن المتقدّمة عليه بقرون والّتي تُعتبر المصدر الأصلي لهذا الحديث، وبغضّ الطّرف عن المسوّغات الرّجاليّة الّتي برّرت له ذلك لكنّ الّلافت: إنّه أورد الرّواية خالية من هذا الذّيل فجاءت بالنّحو التّالي: «خطب الحسن بن الحسن إلى المسور بن مخرمة، وكانت تحته فاطمة ابنة الحسين قال: يا ابن رسول الله “ص”: لو خطبت عليّ على شسع نعلك لزوجتك، ولكن سمعت رسول الله “ص” يقول: “إنّما فاطمة شجنة مني، يرضيني ما أرضاها، ويسخطني ما أسخطها”؛ فأنا أعلم أنّها لو كانت حية فتزوجت على ابنتها لأسخطها ذلك، فما كنت لأسخط رسول الله “ص”». [تاريخ دمشق: ج70، ص20]، وعلى أساس هذا النّقل يكون الحديث على فرض سلامة أسناده منسجماً تمام الانسجام مع دعوى إنّ أساس الحديث كان بسبب غيرة فاطمة “ع” وإغضاب عليّ “ع” لها.
#السّابع: إنّ اتّهام أحد الرّواة الّذين رووا عن المسور بن مخرمة هذا الحديث ـ كالزّهريّ مثلاً ـ بأنّه هو من يقف وراء اختلاق قصّة خطبة عليّ “ع” من بنت أبي جهل كلام مضحك جدّاً عند أهل السُنّة؛ لأنّا إذا قصرنا النّظر على مسند أحمد فقط فالأحاديث المشيرة إلى خطبة عليّ “ع” لبنت أبي جهل أو شيوع خبر ذلك ليست قليلة، ومن باب المثال نذكّر بالحديث الصّحيح عندهم والمرقّم بـ: “16123”؛ حيث جاء فيه ما يلي: «حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا أيّوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزّبير، أنّ عليّاً ذكر ابنة أبي جهل، فبلغ النّبيّ “ص” فقال: إنّها فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها». [مسند أحمد: ج26، ص46]، وعلى هذا الأساس: فإذا كان الزّهري قد كذب على المسور بن مخرمة وافتعل حكاية خطبة عليّ “ع” لبنت أبي جهل كسبب للحديث فما بال عبد الله بن أبي مُلكية يفتري على عبد الله بن الزبير ذلك، الّلهم إلّا أن يُقال: إنّ عبد الله بن الزّبير قد تواطأ مع الزّهري على افتعال هذا السّبب ونسبته إلى المسور، وهذا الكلام ممّا يُضحك الثّكلى عند أهل السُنّة.
#الثّامن: هذه الاضطرابات المنقولة في ذيل الحديث وطريقة روايته تكشف بما لا حاجة فيه إلى مزيد من الفحص إنّ الذّيل الوارد في هذه الرّواية ليس من أصلها بل هو من إضافات النّساخ والمحدّثين الّلاحقين بغضّ الطّرف عن رأينا في حقّانيّة وعدم حقّانيّة صدوره، وإنّ الرّواية بصيغتها الخالية من الذّيل تتناسب تمام التّناسب مع السبّب المشهور لصدور حديث غضب فاطمة “ع”، وهذه الإضافة وإن قبلها بعضهم من خلال تجميع شواهد لها من مواطن أخرى، لكنّها ليست لها علاقة بأصل الحديث كما هو واضح، وبالتّالي: فجعلها مفسّرة للواقعة الأصليّة وما ورد فيها من حديث كلام لا يمتّ للعلم بصلة.
#التّاسع: الحديث عن طريق ابن ابي مليكة ـ كما نقله البخاري ومسلم ـ يتحدّث عن استئذان أسرة آل أبي جهل من الرّسول “ص” لتزويج بنتهم لعليّ “ع”، وبالتّالي: فإذا كان الأمر مغضباً لرسول الله “ص” نظراً لوجود عداء سابق بينه وبين أبي جهل مثلاً فما معنى أن يربط الأمر بغضب فاطمة “ع”؟! فكان بإمكانه إنّ يقول: إنّ هذا الأمر وإن كان حلالاً من النّاحية الشّرعيّة؛ لكنّي لا أرضاه لفاطمة لمجموعة من المبرّرات، لكن حيث إنّه برّر رفضه لمثل هذا الزّواج بغضب فاطمة “ع” فهذا يدل على أنّ المسألة لا ترتبط به أوّلاً وبالذّات، وإنّما ترتبط بالغضب الّذي ظهر على بنته “ع” وهي تسمع بمثل هذه الأخبار أو الحكايات. [يتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...