تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة الحادية عشر

12 مارس 2019
79
ميثاق العسر

#الأولى: حمل الموروث الرّوائي الإثنا عشريّ [الكافي؛ الفقيه؛ التّهذيب…إلخ] روايات عدّة تُشير إلى كون الزّهري من خُلّص أصحاب عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، وقد وصفها بعض المعاصرين بالمتواترة، والظّاهر: إنّ عموم المنشغلين بالجدل الكلاميّ المذهبيّ لم يلتفتوا إلى هذه النّصوص، أو إنّ هدفهم لم يسمح لهم بتناولها وفحصها. #الثّانية: الرّسالة المنسوبة إلى عليّ بن […]


#الأولى: حمل الموروث الرّوائي الإثنا عشريّ [الكافي؛ الفقيه؛ التّهذيب…إلخ] روايات عدّة تُشير إلى كون الزّهري من خُلّص أصحاب عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، وقد وصفها بعض المعاصرين بالمتواترة، والظّاهر: إنّ عموم المنشغلين بالجدل الكلاميّ المذهبيّ لم يلتفتوا إلى هذه النّصوص، أو إنّ هدفهم لم يسمح لهم بتناولها وفحصها.
#الثّانية: الرّسالة المنسوبة إلى عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” والّتي اُدّعي توجيهها إلى الزّهري لم يثبت انتسابها له “ع” بدليل معتبر، كما لم يثبت كونها موجّهة للزّهري أيضاً؛ فإنّها ـ مضافاً إلى إرسالها وعدم انسجام مضامينها مع عمر الزّهريّ وغير ذلك من الملاحظات ـ لم ترو في شيء من المجامع الحديثيّة الرّوائيّة الإثني عشريّة المتقدّمة، بل جاءت في كتاب يُسمّى بتحف العقول المنسوب لإبن شعبة الحرّاني والّذي يُقال إنّه من أبناء القرن الرّابع الهجريّ، وهذا الكتاب من الكتب العلويّة النّصيريّة الّتي لم يكن لها أيّ حضور في كتب الفهارس والتّراجم المتقدّمة والمتأخّرة حتّى تسرّب إلى الجسم الإثني عشريّ في أيّام الدّولة الصّفويّة حيث توافدت النّسخ الكثيرة من باقي البلدان، وتفصيل الأمر في حقيقة كتاب تحف العقول نعد به في دراسات لاحقة.
#الثّالثة: الرّواية الّتي ادّعى المُشار إليه قيام الزّهريّ بوضعها على لسان ابني محمّد بن الحنفيّة عن عليّ “ع” وساقها كدليل على امتهانه الوضع، قد رواها شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي بإسناده عن زيد بن عليّ عن أبيه عن عليّ “ع”، وبادر لحملها على التّقيّة دون أن يصفها بالوضع؛ وكان على المُشار إليه أن يلحظ ورودها في تُراثنا وتوظيفاتها الفقهيّة أيضاً قبل توجيه الاتّهام للزّهريّ بالوضع.
#الرّابعة: جاء في كتاب الرّجال لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” عدّ محمّد بن شهاب الزّهريّ من أصحاب عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، لكنّه وصفه بمفردة واحدة فقط هي: «عدوّ»، كما عمد إلى ادراجه في أصحاب الصّادق “ع” قائلاً: «محمّد بن مسلم الزهري‏، المدني، تابعي، وهو محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ولد سنة اثنتين وخمسين، ومات سنة أربع وعشرين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: سبعون سنة».
#الخامسة: لكنّ هذا الكلام من الطّوسي لم يرق لجملة من المحقّقين الإثني عشريّة المعاصرين؛ إذ رأوه يتنافى تمام التّنافي مع ما هو متواتر من الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ الواصل حسب تعبيرهم، ومن هنا نصّ المرحوم محمّد تقي الشّوشتري المتوفّى سنة: “1415هـ” وهو ينقد كلام الطّوسي قائلاً: «ثمّ لو كان الشّيخ قال فيه: عاميّ كان صحيحاً، وأمّا قوله: “عدوّ” فليس بحسن، وكيف! والأخبار بمحبّته للسجّاد “ع” متواترة». [قاموس الرّجال: ج9، ص329]، كما أفاد إنّ ادراجه في أصحاب السجّاد “ع” بلفظ وفي أصحاب الصّادق “ع” بلفظ آخر وتفاصيل أكثر يدلّ على عدم تفطّنه ـ أي الطّوسي ـ لاتّحادهما. [ج9، ص583].
#السّادسة: بعد أن فصّل المرحوم الشّوشتري الحديث في مناقشة ما ذكره شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي حول الزّهريّ قرّر قائلاً: «وبعد سقوط الأصل ـ وهو كلام الشيخ [الطّوسي] في الرجال ـ لا يبقى محلّ للفرع، وهو كلام من أخذ عنه تقليداً، كابن طاووس والعلّامة وابن داود وباقي المتأخرين». [المصدر السّابق: ص584].
#السّابعة: تابع المرحوم الخوئيّ المتوفّى سنة: “1413هـ” تحقيقات المرحوم الشّوشتريّ في هذا المجال، ونصّ بعد استعراضه لمجموعة من الرّوايات قائلاً: «أقول: الزّهريّ وإن كان من علماء العامّة، إلّا أنّه يظهر من هذه الرّواية وغيرها أنّه كان يحبّ عليّ بن الحسين [السجّاد] “ع” ويعظّمه»، ولم يكتف بذلك، بل تابع الشّوشتري فيما توصّل إليه وأفاد: إنّ «للزّهري عدّة روايات مذكورة في الكافي والفقيه والتّهذيب، وبما ذكرناه يظهر: أنّ نسبة العداوة إليه على ما ذكره الشّيخ لم تثبت، بل الظّاهر عدم صحّتها». [معجم رجال الحديث: ج17، ص191ـ192].
#الثّامنة: تعجّب المرحوم علي أكبر الغفّاري ـ محقّق النّسخ الخطيّة المعروف ـ من غمز المرحوم الشّوشتري للطّوسي بسبب وصفه الزّهريّ بالعدوّ، ناصّاً على إنّ إكرام السجّاد “ع” «وإكباره إيّاه وتبجيله له ما كان إلّا لأغراض سياسيّة أو كان مأموراً بذلك من قبل الأمير لا للدّين كما هو المشاهد من أمثاله في الأعصار، وكيف لا وهو يتقلّب في دنيا بنى اميّة منذ خمسين سنة…إلخ» [من لا يحضره الفقيه، تحقيق الغفاريّ: ج4، ص483] ، لكنّ الجنوح لأمثال هذه التّأويلات من دون تقديم مستندات ودلائل أمر لا يمكن القبول به بحال من الأحوال.
#التّاسعة: نصّ ابن أبي الحديد المعتزليّ المتوفّى سنة: “656هـ” في كتابه شرح نهج البلاغة قائلاً: إنّ «الزّهريّ من المنحرفين عنه “ع”، وروى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة، قال: شهدت مسجد المدينة فإذا الزّهري وعروة بن الزّبير جالسان يذكران عليّاً “ع”، فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين [السجّاد] “ع” فجاء حتّى وقف عليهما، فقال: أمّا أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك، وأما أنت يا زهريّ فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك». [شرح نهج البلاغة: ج4، ص102]، ونقلها بعضهم: «لأريتك كرامة أبيك»، «لأريتك كرامتك»، و «بيت أبيك» و «كثير أبيك»، وقد ذكرت تفسيرات وتأويلات عدّة لهذه المفردة وهي تمحّلات ليس إلّا، وتؤكّد ما سيأتي في الملاحظة العاشرة.
#العاشرة: لم يقبل المرحوم الشّوشتري الرّواية أعلاه، ونصّ على أنّها إمّا موضوعة وإمّا محرّفة، واحتمل أن يكون الأصل فيها: “فإذا الشّعبي وعروة”، فبُدّل الشّعبيّ بالزّهري لتقابلهما، وأشار إلى وقوع التّبادل في المتقابلين كثيراً، كما إنّ الشّعبي وعروة كانا ناصبيّين حسب تعبيره؛ إذ كان عروة كخالته عائشة؛ حيث روى الزّهريّ عنه إنّ خالته قالت: إنّ النّبيّ “ص” قال: “عليّ والعبّاس يموتان على غير سنّتي”. [قاموس الرّجال: ج9، ص331].
#الحادية عشر: لم يكتف المرحوم الشّوشتري بما أفاده آنفاً في مناقشة رواية ابن أبي الحديد، بل وصفها بالبطلان أيضاً في موضع آخر مفرّعاً على ذلك بالقول: «فإنّه اشتمل على أنّ السجّاد “ع” قال لعروة: “حاكم أبي أباك … إلخ”؛ مع أنّ مثله استدلال يزيد على أفضليّة أبيه من أبي الحسين “ع”، وإنّما ذكّره “ع” قول النبيّ “ص” فيهما؛ كما أنّ ما تضمّنه من قوله [“ع”] للزّهري أيّ معنى له؟ وكيف ينال “ع” وروى العقد الفريد عنه [أي الزّهريّ] أنّه قال لعبد الملك: حدّثني فلان أنّه لم يرفع ليلة صبيحتها قتل عليّ بن أبي طالب والحسين بن عليّ حجر في بيت المقدس إلّا وجد تحته دم عبيط!…». [قاموس الرّجال: ج9، ص583].
#وأخيراً وليس آخراً: إنّ اتّهام الزهريّ بوضع خطبة عليّ “ع” لبنت أبي جهل وجعله ذلك سبباً لصدور الحديث النّبويّ المشهور في التُراث السُنّي حول غضب فاطمة “ع” محاولة مذهبيّة بائسة لا تستند إلى مسوّغات علميّة على الإطلاق، بل هي تأتي في سياق ما اسميناه بالهروب للأمام، وهي آليّة رّاسخة ومتجذّرة في سياق الجدل الكلاميّ المذهبي انطلاقاً من عناوين ثانويّة مشرعنة لجميع أدواتها، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...