تأمّلات نقديّة في حقيقة غضب فاطمة “ع” ودلالاته!! الحلقة العاشرة

12 مارس 2019
21
ميثاق العسر

#وقع أصحابنا الإثنا عشريّة المعاصرون في حيرة شديدة جدّاً وهم يفتّشون في دوافع صدور حديث غضب فاطمة “ع” في صحاح أهل السُنّة وسُننهم ومسانيدهم؛ إذ إنّ هناك إجماعاً تامّاً فيها على إنّ سببه: إغضاب وإغاظة عليّ “ع” لفاطمة “ع” حين خطبته بنت أبي جهل أو وصولها خبر أو شائعة حول ذلك، وبالتّالي: فإنّ القبول بهذا […]


#وقع أصحابنا الإثنا عشريّة المعاصرون في حيرة شديدة جدّاً وهم يفتّشون في دوافع صدور حديث غضب فاطمة “ع” في صحاح أهل السُنّة وسُننهم ومسانيدهم؛ إذ إنّ هناك إجماعاً تامّاً فيها على إنّ سببه: إغضاب وإغاظة عليّ “ع” لفاطمة “ع” حين خطبته بنت أبي جهل أو وصولها خبر أو شائعة حول ذلك، وبالتّالي: فإنّ القبول بهذا الحديث كما هو يسبّب لهم إحراجاً منقطع النّظير، كما إنّ إنكار صدور هذا الحديث عن طريقهم سيكلّفهم أثماناً باهظة، وكيف يكون ذلك وهو الحديث الأوّل في مشروع مهاجمة رموز الطرف الآخر ومحاججة أتباعهم، لذا رأوا إنّ أفضل طريق للهروب نحو الأمام من هذه المعضلة الكبيرة هي ممارسة التّبعيض المذهبي في فقراته، وهذا لن يكون إلّا من خلال اتّهام بعض الرّواة الّذين رووا عن المسور بن مخرمة هذا الحديث بالوضع، ببيان: إنّ فرضيّة كون عليّ “ع” هو المسبّب الأصليّ لصدور هذا الحديث بسبب خطبته بنت أبي جهل إنّما هي من وضع محمّد بن شهاب الزّهري المعروف بعداوته لعليّ وأولاده “ع” على حدّ تعبيرهم، لأنّ باقي الطُّرق قد خلت من هذه الفرية حسب فهمهم وبيانهم!!
#وبغية إيضاح تهالك هذه الدّعوى المذهبيّة الفاضحة، وإظهار نكارتها ومذهبيّة أصحابها، أجد من المناسب التّعرّض الإجماليّ للحضور الحديثيّ الإثني عشريّ لـ محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري‏؛ ومن ثمّ نعطف الحديث لرؤية التّقييم الرّجاليّ الإثني عشريّ لهذا الرّجل؛ لنرى: هل هناك إمكانيّة لوضع الزّهريّ هذه القصّة واختلاقها على لسان شيخه في الحديث عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” كما تحاول بعض الأقلام غير المتخصّصة أن تصوّر ذلك؟!
وقبل البدء يحسن بي أن اتعرض للأوصاف الّتي ساقها المذهبيّون من أصحابنا للزّهري؛ لكي يحمّلوه ما يحبّذون تحميله دون تحقيق ومتابعة، ومن غير مراجعة فاحصة للموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ، ومن دون التّسلّح بقواعد الصّنعة الرّجاليّة للأسف الشّديد، وهذه أزمة كبيرة يعاني منها المندفعون من أصحابنا في سبيل تصحيح ما هو متداول مذهبيّاً حتّى وإن استلزم ذلك إلغاء العقول.
#كتب أحد تلامذة شيخنا الوحيد الخراساني مقالات عدّة قام بنشرها قبل عقود من الزّمن في عدّة دوريات ومجلات صدرت في مدينة قم الإيرانيّة والّتي تحوّلت لاحقاً إلى كتيّبات وكتب أيضاً، وكان الهدف منها مناقشة تراث ابن تيمية ومعالجة الإشكاليّات الّتي طرحها أمام المقولات الإثني عشريّة، والظّاهر: إنّ أساس الحملة الّتي قادها بعض المهتمّين بأبحاث الجدل المذهبي ضدّ الزّهريّ سببها في الأساس هو قيام ابن تيمية على تفضيله العلميّ الفاحش على الباقر ونجله الصّادق “ع”، من هنا جاءت المساعي المذهبيّة كردّة فعل تجاه ذلك، لكنّ مثل هذه المقولات العلميّة لا ينبغي المصير إلى ردود الأفعال في مواجهتها، بل ينبغي المصير إلى الإنصاف العلميّ الموضوعيّ الفاحص في تناول المعطيات المؤكّدة والنّافية أيضاً، ومن ثمّ المصير إلى التّرجيح المبرهن بينهما، وهذا ما لم نره في كتابات المنشغلين بالجدل الكلاميّ المذهبي للأسف الشّديد.
#بادر المُشار إليه إلى تقديم ترجمة موجزة للزّهري تلخّصت بكونه: من أشهر المنحرفين عن عليّ “ع”؛ وكان يجالس عروة بن الزّبير فينالان منه “ع”، وكان يرى الرّواية عن عمر بن سعد قاتل الحسين “ع” حسب وصفه؛ وكان من عمّال الحكومة الأمويّة ومشيّدي أركانها حتّى أنكر عليه كبار العلماء ذلك؛ وقد قدح فيه ابن معين حينما قارن بينه وبين الأعمش؛ كما كتب إليه عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” رسالة يوبّخه ويؤنّبه على كونه في قصور الظلمة لكن لم ينفعه ذلك؛ وضعه الحديث عن لسان أهل البيت “ع” في الوقيعة والشغب بينهم، من ذلك ما وضعه على لسان ابني محمد بن الحنفية عن عليّ “ع” أنّه قال لإبن عبّاس وقد بلغه أنّه يقول بالمتعة: “إنك رجل تائه، إن رسول اللَّه نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، وهو حديث حكم ببطلانه كبار أئمّة القوم كالبيهقي وابن عبد البرّ والسّهيلي وابن القيّم والقسطلاني وابن حجر العقلاني وغيرهم على حدّ تعبيره. [الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميّة، علي الميلاني: ص44؛ شرح منهاج الكرامة، علي الميلاني: ج2، ص109، وهكذا معظم كتبه الأخرى].
#وفي سياق هذه المدّعيات المذهبيّة الكبيرة قرّر المُشار إليه وهو بصدد معالجة حديث غضب فاطمة “ع” كما رواه الزّهريّ عن طريق عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع” قائلاً: «إذ عرفت حال الزهري وموقف الإمام عليّ بن الحسين “ع” منه فهل تصدّق أن يكون الإمام [السجّاد] “ع” قد حدّثه بهكذا حديثٍ فيه تنقيص لجدّه الرسول الأمين وأُمّه الزهراء وأبيه أمير المؤمنين “ع”؟! لكنّه الزهري! عندما يضع الحديث على‏ النبي والعترة ومذهبهم، يضعه على‏ لسان واحدٍ منهم كي يسهل على الناس قبوله!!». [حديث خطبة علي بنت أبي جهل: ص41].
#وبعد عرفنا حجم المدّعيات المذهبيّة الكبيرة الّتي سيقت ضدّه سنحاول تقديم مجموعة ملاحظات عاجلة تهدف إلى إيضاح البطلان الفاحش لجملة من هذه المدّعيات والإرشاد إلى مواطن الخلل فيها، وإحالة الحديث التّفصيليّ إلى موضع آخر، لكن من الّلازم التّذكير إنّنا لا نهدف إلى ذكر قناعتنا النّهائيّة في الزّهريّ ومرويّاته في هذه الدّراسة؛ بل نهدف إلى توظيف المعطيات الحديثيّة والأدوات الرّجاليّة الإثني عشريّة في سبيل نقد الآراء المذهبيّة الرّاكزة؛ وللحديث عن مرويّات الزّهريّ الواردة في التّراث الإثني عشريّ واتّهام المستشرقين له بالوضع وتاريخ وحقيقة علاقته بالسّلطة الأمويّة…إلخ من بحوث موطن آخر نتمنّى أن تحصل فرصة تناوله القريبة إن شاء الله. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...