تأمّلات في واقعيّة مناظرات الجواد “ع”!!

3 أغسطس 2019
41
ميثاق العسر

#يبدو لي إنّ عموم المناظرات المشهورة في الأوساط الإثني عشريّة المعاصرة والمرويّة ككرامة لمحمّد بن عليّ بن موسى الملقّب بالجواد “ع” تقع في سياق كبرى نحت الأدلّة بعد الوقوع والّتي تحدّثنا عن شيء من معالمها سابقاً، بمعنى: إنّها وضعت بعد ذلك لرأب الصّدع الّذي ولّدته إمامته المبكّرة، والّتي لم تكن مقنعة حتّى لكبار الفقهاء من […]


#يبدو لي إنّ عموم المناظرات المشهورة في الأوساط الإثني عشريّة المعاصرة والمرويّة ككرامة لمحمّد بن عليّ بن موسى الملقّب بالجواد “ع” تقع في سياق كبرى نحت الأدلّة بعد الوقوع والّتي تحدّثنا عن شيء من معالمها سابقاً، بمعنى: إنّها وضعت بعد ذلك لرأب الصّدع الّذي ولّدته إمامته المبكّرة، والّتي لم تكن مقنعة حتّى لكبار الفقهاء من أصحاب أبيه الرّضا “ع”، بل لم تكن مقنعة للعرّاب الأوّل لإمامة أبيه الرّضا “ع” أعني الفقيه يونس بن عبد الرّحمن كما يقولون، والّذي حاربه سادة القمّيين بعد ذلك بقوّة.
#وبغية أن نبرهن على مدّعانا الآنف الذّكر يحسن بنا طرح دغدغات مختصرة حول أهمّ مناظرة متداولة في الأوساط المنبريّة بقوّة، ورتّبت على أساسها ما شاء الله من النتائج العقائديّة الإثني عشريّة، وهي المناظرة الّتي يُقال إنّها حصلت في مجلس المأمون العبّاسي في بغداد حينما أراد القاضي يحيى بن أكثم إحراج الجواد “ع” بسؤاله عن الحكم الفقهيّ لمحرم قتل صيداً، فأجابه “ع” بذكر تشقيقات فقهيّة دقيقة أذهلت الحضور وأبهتت ابن أكثم؛ فآل الأمر إلى تزويج المأمون بنته للجواد “ع” إلى غير ذلك من تفاصيل.
#وهذه المناظرة لم يرد لها أيّ ذكر في التّراث الحديثيّ الإثني عشريّ المعتبر خصوصاً الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ”، بل ولا نجدها في تراث الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” والّذي حرص جهد إمكانه على ذكر كلّ شاردة وواردة وهو يسعى في أسفاره من أجل تثبيت الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وشخوصها، وإنّما وردت لأوّل مرّة بإسناد يحمل مشاكل جوهريّة في مصدرين رغم وجود اختلاف في بعض مفرداتها:
#الأوّل: تفسير القمّي، وسندها بالنّحو التّالي: «حدّثني محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عون النّصيبيّ، قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى “ع”…». [ج1، ص182؛ بحار الأنوار: ج10، ص381].
#والثّاني: الإرشاد للمفيد، وسندها بالنّحو التّالي: «وروى الحسن بن محمّد بن سليمان، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الرّيان بن شبيب…» [ج2، ص281؛ بحار الأنوار: ج50، ص79].
#أمّا سند تفسير القمّي فلو سلّمنا بصحّة انتساب النّسخة الواصلة من هذا التّفسير بمجموعها إليه ولا نسلّم؛ فإنّ محمّد بن الحسين بن سعيد الصّائع المتوفّى سنة: “269هـ” ضعيف جدّاً وغال كما نصّ على ذلك ابن الغضائريّ والنّجاشي، وبالتّالي: فتوثيق القمّي العامّ له غير مجدٍ في المقام أصلاً.
#نعم؛ ربّما يُقال: إنّ المناظرة بكلا مصدريها قد تكون مستقاة من رواية عليّ بن إبراهيم القمّي الّتي أطلق عليها بـ: «حديث تزويج المأمون أم الفضل من أبي جعفر محمد بن علي الجواد “ع”»، والّذي نصّ عليه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في كتابه الفهرست ورواه عن جماعة منهم المفيد، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلوي الطبري، عن علي بن إبراهيم، والّذي هو طريق صحيح عندهم، فالحكم بإرساله وضعفه لا معنى له!!
#لكنّ هذا الكلام لا تماميّة له؛ وذلك لأنّ المفيد الّذي وقع في طريق الطّوسي إلى هذا الحديث لم يرو المناظرة محلّ البحث عن الحسن بن حمزة العلويّ الطّبريّ عن عليّ بن إبراهيم لكي يُحتمل توافرها في هذا الحديث الّذي أورد الطّوسي طريقه عن عليّ بن إبراهيم، وإنّما أوردها عن الحسن بن محمّد بن سليمان بصيغة روى، الأمر الّذي يُشعر بوضوح بإرسالها، ويؤكّد في الوقت نفسه عدم توافرها في الحديث الّتي أشار إليه الطّوسي، على أنّ عدم ادراج الكليني والصّدوق والطّوسي لها مع اشتمالها على أحكام عقائديّة وفقهيّة تبعث على الجزم بعدم وجودها فيه.
#وممّا تقدّم يتّضح الحال في سند الإرشاد؛ فمضافاً إلى احتماليّة انقطاع السّند ما بين المفيد والحسن بن محمّد بن سليمان فإنّ الأخير مجهول الحال، كما أنّ الرّيان بن شبيب وإن وثّقه النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “450هـ”، لكنّ عدم ذكر شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي له حتّى في باب من لم يرو عنهم يبعث على القلق كثيراً، خصوصاً وإنّ فرضيّة كونه خالاً للمعتصم العبّاسي ـ أيّ أنّه: أخو ماردة الجارية المُدلّلة عند الرّشيد ـ ومن سكنة قم ممّا لم نعثر عليه في غير مصادرنا في حدود المتابعة والله العالم، وبالتّالي: فكلا الطّريقين للمناظرة ضعيف جدّاً.
#نعم؛ جاءت المناظرة في الكتاب المسُمّى بـ: “إثبات الوصيّة” المنسوب للمسعوديّ صاحب التّاريخ وبصيغة: “روي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن الرّيان بن شبيب”، وهو كما ترى؛ إذ إنّ هناك جزماً من قبل بعض المحقّقين الإثني عشريّة في مجهوليّة مصنّف هذا الكتاب وإنّه ليس المسعوديّ صاحب التّاريخ قطعاً، كما جاءت في الكتاب المُسمّى بالاختصاص بطريقة روى عليّ بن إبراهيم ورفعه أيضاً، وجاءت أيضاً في كتاب روضة الواعظين والاحتجاج وغيرها من الكتب الّلاحقة أيضاً، كما جاءت مُرسلة في كتاب تحف العقول لإبن شعبة الحرّاني النّصيريّ كذلك.
#ولم يقتصر الأمر على هذا الحدّ؛ فقد حاول صاحب البحار أن ينقلها مسندة من الكتاب المنحول والمُسمّى بـ: “دلائل الإمامة”، لكنّ مراجعة الطّبعة المتداولة لهذا الكتاب تؤكّد عدم وضوح ارتباط السّند المذكور في البحار بهذه المناظرة أصلاً مع وجود اختلافات فيه أيضاً يتوفّر عليها الإنسان بالمقارنة، وكيف كان؛ فجميع ذلك لا يصحّحها ولا يبعث على تصديق صدورها؛ للمشاكل الّتي أشرنا إليها آنفاً، وهو مؤشّر خطير جدّاً يقف أمامها.
#لكنّ المشكلة في هذه المناظرة لا تقف عند موضوع الضّعف السّندي، بل تتجاوزه إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير وهو: عدم انسجامها مع الواقع التّاريخيّ المنقول للحظة وفود الجواد “ع” إلى محلّ وقوع المناظرة المفترض أعني: بغداد العاصمة؛ إذ إنّ عمر الجواد “ع” كما جاء فيها هو: تسع سنوات، بينما نصّ ابن طيفور البغداديّ على أنّ الجواد “ع” قدم من المدينة إلى بغداد في سنة: “215هـ” أي وهو ذو عشرين ربيعاً، ومع انتفاء ذلك ففي أيّ منطقة حضر المأمون ويحيى بن أكثم وجميع العلماء في وقتها مع الجواد “ع” وهو ابن تسع سنين أي في سنة: “204هـ”، فهل يُعقل أن يكون ذلك في المدينة ومجيء المأمون إليها في تلك السّنة ممّا لم يسجلّه مؤرّخ أصلاً؟!
#وفي الحقيقة: إنّ المناظرة أعلاه ومثيلاتها تقع في سياق كبرى نحت الأدلّة ما بعد الوقوع؛ حيث ولدت لرأب الصّدع الّذي خلّفته إمامة الجواد “ع” المبكّرة، وكان قاضي القضاة في وقتها يحيى بن أكتم هو المستهدف الأوّل فيها فضلاً عن غيره ممّن هو دونه، مع أنّ الأسئلة الّتي وردت على شكل تشقيقات فقهيّة فيها ـ رغم خطأ بعضها وإن سعى أصحابنا لتوجيهها ـ تُعدّ من الفروع الفقهيّة العاديّة جدّاً، ويمكن لأيّ طالب أتقن المقدّمات أن يُشقّقها ويُجيب عليها أيضاً، ومن البعيد أن لا يعرف ابن أكثم ذلك.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ هذه المناظرة لا تحتوي على إسناد صحيح ولا معتبر أصلاً، وإنّها تشتمل على مشاكل عميقة في تاريخها وتوقيتها، والمشاكل السّنديّة بل وربّما المضمونيّة أيضاً هي السّبب الأساس وراء إعراض محقّقي الفقهاء الإثني عشريّة عنها، ولم يجعلوها مستنداً لاستنباط أحكام فقهيّة ذات صلة، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...