تأمّلات في ندبة السيّدة فاطمة “ع” لأبيها!!

29 يناير 2019
85
ميثاق العسر

#ثمّة بيتان شعريّان مشهوران ذائعان على الألسن منذ قرون يُنسبان للسيّدة فاطمة الزّهراء بنت النّبيّ محمّد “ع” يُدّعى إنّها قد أنشدتهما بعد أن أخذت قبضة من قبر أبيها “ص”، ووضعتها على عينها وبكت، وهما: ماذا على من شمّ تُربة أحمدٍ، أن لا يشمّ مدى الزّمان غوالياً، صّبت عليّ مصائب لو أنّها، صُبّت على الأيّام صرن […]


#ثمّة بيتان شعريّان مشهوران ذائعان على الألسن منذ قرون يُنسبان للسيّدة فاطمة الزّهراء بنت النّبيّ محمّد “ع” يُدّعى إنّها قد أنشدتهما بعد أن أخذت قبضة من قبر أبيها “ص”، ووضعتها على عينها وبكت، وهما: ماذا على من شمّ تُربة أحمدٍ، أن لا يشمّ مدى الزّمان غوالياً، صّبت عليّ مصائب لو أنّها، صُبّت على الأيّام صرن ليالياً، وهناك أبيات أخرى تتقدّم عليهما أيضاً رويت في بعض المصادر المتأخّرة.
#والتّحقيق: عدم صحّة انتساب هذه الأبيات إليها “ع”؛ وذلك لخلوّ المصادر السُنّيّة والشّيعيّة منها حتّى القرن السّادس الهجري أو ما يقرب منه، وهذا الأمر يجعل الباحث متيقّناً من عدم صحّتها، بل هي من أوضح مصاديق نحت الأدلّة بعد الوقوع على الاختلاف في طبيعة الرّغبات المذهبيّة ومن يقف وراءها.
#بيان ذلك: إذا رجعنا إلى التّراث الإثني عشريّ فإنّ أوّل من أشار إلى هذه الأبيات مع أبيات أخرى أيضاً وتقديم وتأخير ومن دون سند هو ابن شهر آشوب المتوفّى سنة: “588هـ” في قسم المصادر السُنيّة في كتابه مناقب آل أبي طالب، كما أشار لها ابن فتّال النّيشابوري المتوفّى سنة: “508هـ” مرسلة أيضاً كما في النّسخة الحروفيّة المتداولة؛ أمّا المصادر السُنيّة فالظّاهر إنّ أوّل من ذكرها مسندة عن عليّ “ع” هو ابن الجوزيّ المتوفّى سنة:”597هـ” في كتابه: “الوفا بأخبار المصطفى”، وقد انعكست بعد ذلك بالسّند نفسه على الكتب الأخرى، من قبيل كتاب: الدّرة الثّمينة في أخبار المدينة لإبن النّجار المتوفّى سنة: “643هـ”، وكتاب: إتحاف الزّائر وإطراف المُقيم للسّائر لتلميذه أبي اليمن بن عساكر المتوفّى سنة: “686هـ” والّذي ينقل عنه السّمهودي المتوفّى سنة: “911هـ” كثيراً تحت عنوان: “تحفة ابن عساكر”.
#أمّا سندها الّذي أورده ابن الجوزي فهو بالنّحو التّالي: «أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي، قال أخبرنا: عمر بن مالك، قال أخبرنا: محمّد بن موسى، قال أخبرنا: أحمد بن محمّد الكاتب، قال أخبرنا: طاهر بن يحيى، قال حدّثني أبي، عن جدّي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب ع…». [مخطوطة كتاب الوفا بأحوال المصطفى حيث حُذفت الأسانيد من الطّبعة الحروفيّة].
#نلاحظ: في الأسناد أعلاه مشاكل طبقاتيّة وتصحيفيّة يعرفها الممارس ببساطة وليس هنا محلّ ذكرها، لكننا سنقتصر على ذكر بعض الملاحظات العاجلة:
#أوّلاً: إنّ رواية جدّ طاهر بن يحيى ـ أعني أبا محمّد الحسن بن جعفر الحجّة ـ عن الصّادق “ع” بلا واسطة غير متعقّلة؛ وذلك: لأنّه توفّي سنة: “221هـ” عن سبع وثلاثين سنة كما صرّح في المجدي [ص203]، بمعنى إنّه ولد بعد ستّة وثلاثين عاماً من رحلة الصّادق “ع”، فكيف تمكّن من الرّواية المباشرة عنه؟! كما إنّ ما ادّعاه النّجاشي من رواية ابنه عن الرّضا “ع” لا يصحّ أيضاً؛ وذلك: لولادته بعد رحلته “ع”، فضلاً عن خلوّ الكتب الرّوائيّة من ذلك.
#وثانياً: إنّ هناك انقطاعاً في السّند بين الباقر “ع” وعليّ بن ابي طالب “ع” وفقاً لمقاييس الرّواية عند من لا يؤمن بالإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وعرضها العريض؛ إذ لا يمكن أن يروي الباقر “ع” عن عليّ “ع” دون وسائط، نعم؛ جاء في المصادر الّلاحقة توسيط السجّاد “ع” بين الباقر وعليّ “ع”، لكنّ هذا التّوسيط غير نافع أيضاً؛ وذلك لعدم إدراكه جدّه “ع” أيضاً.
#وثالثاً: حتّى لو سلّمنا بوثاقة جميع رجال الأسناد حتّى طاهر العقيقي مثلاً، فإنّ هذه الوثاقة لا قيمة لها عند أصحابنا الإثني عشريّة باعتبارها وثاقة صادرة من رجاليّي أهل السُنّة فقط، وبالتّالي فإنّ نقاوة السّند لا تصلح إلّا لأجل محاججة الخصوم المؤمنين بذلك.
#ورابعاً: رغم إنّ ابن الجوزي كان مبرّزاً في علوم جمّة وله اطّلاع تامّ في متون الحديث أيضاً، لكنّ ما سجّله عليه أصحابه هو كثرة تأليفاته دون تدقيق ومراجعة، ومن هنا نقل الذّهبي عن خطّ الموقاني قوله عن ابن الجوزيّ: «وكان كثير الغلط فيما يُصنّفه؛ فإن كان يفرع من الكتاب ولا يعتبره»، وقد علّق الذّهبي على ذلك قائلاً: «هكذا هو له أوهام وألوان من ترك المراجعة، وأخذ العلم من صحف، وصنّف شيئاً لو عاش عمراً ثانياً لما لحق أن يُحرّره ويُتقنه». [سير أعلام النّبلاء: ج21، ص378]، ونحن وإن كنّا نتحفّظ كثيراً على قسوة الذّهبي الّتي نقلنا شيئاً من تجليّاتها تجاه ابن الجوزيّ، لكنّ من يتفحّص الأسناد الّذي ذكره ابن الجوزي لهذين البيتين يصدّق بذلك.
#وبعد أن لاحت لنا بعض المشاكل العميقة على سند هذين البيتين يحسن بنا الإطلال قليلاً على بعض النّتائج الفقهيّة والعقائديّة والنّحويّة الّتي رتّبها بعض علماء السُنّة والإثني عشريّة عليهما، من قبيل ما يلي:
#الأوّلى: بعد أن نقل ابن قُدامة المتوفّى سنة: “620هـ” قولاً لبعض أصحاب مذهبه يرى كراهيّة النّوح على الميّت عاد لينقل قولاً لإبن حنبل يُحتمل فيه إباحة النّوح والنّدب، ونقل عنه أيضاً تجويزه ذلك إذا كان مثلما حُكي عن فاطمة “ع” من الدّعاء الّذي لا يكون مثل النّوح كما رواه البخاري، وفي هذا السّياق نقل هذين البيتين بنحو الإرسال عن عليّ “ع” أيضاً. [المغنى: ج3، ص490].
#الثّانية: تابع العلّامة الحلّي المتوفّى سنة: “726هـ” هذا الكلام في منتهى المطلب؛ حيث ادّعى قيام الإجماع على جواز النّياحة بالحقّ، وجعل هذين البيتين كأحد الأدلّة المرويّة في الكُتب السُنيّة، وقد تبعه على ذلك بعض الفقهاء الّلاحقين أيضاً. [منتهى المطلب: ج7، ص423؛ الحدائق النّاضرة: ج4، ص169].
#الثّالثة: عدّ المرحوم الأميني صاحب الغدير هذين البيتين كأوّل دليل على جواز التّبرّك بالقبر الشّريف بالتزام وتمريغ وتقبيل حسب تعبيره، وقد تبعه جملة من المعاصرين. [الغدير: ج5، ص216؛ في ظلال التّوحيد، جعفر السّبحاني: ص39].
#الرّابعة: ذهب بعض المعاصرين ـ ممّن سمته الإكثار من التأليف دون رعاية لقواعد التّحقيق ولا التّثبّت ـ إلى إنّ هذه الأبيات تضمّنت «أنّها “ع” قد واجهت مصائب كبيرة، وعديدة ، وموت رسول الله “ص” ليس إلّا إحدى المصائب ، وهذا معناه: أنّها قد قالت هذين البيتين بعد تعرضها للضّرب، وإسقاط الجنين، واقتحام البيت، وإشعال النار فيه، وما إلى ذلك، فإنّ هذه المصائب المتعدّدة يصحّ أن تصفها الزهراء “ع” بأنّها لو صُبّت على الأيّام صرنا ليالياً [!!]». [الصّحيح من سيرة النّبي: ج33، ص89].
#الخامسة: جعلت بعض الكتب النّحويّة المعاصرة هذا البيت كشاهدٍ على جواز تصريف مفردة أحمد الممنوعة من الصّرف لضرورة شعريّة. [جامع الدّروس العربيّة: ج2، ص222].
#وأخيراً: ربّما يمكن أن نبرّر للملالي والوعّاظ والخطباء وأضرابهم قراءة هذين البيتين لإبكاء النّاس على مصيبة النّبي الأكرم “ص” دون نسبتها إلى السيّدة فاطمة “ع”، لكن استظهار ما تقدّم من نتائج فقهيّة وعقائديّة ونحويّة منهما أمر لا يحسن بحالٍ من الأحوال؛ فهذا هو البئر وهذا غطاؤه قد وضعناه بيد القرّاء النّابهين، فليتأمّلوا كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...