تأمّلات في مقولة “مثلي لا يبايع مثله”!!

21 سبتمبر 2018
1233
ميثاق العسر

#بعد أن أخبر أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: الحسين بن عليّ “ع” بخبر موت معاوية ودعاه إلى بيعة ولده يزيد فما كان منه “ع” إلّا أن قال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ورحم الله معاوية، وعظم لك الأجر. أما ما سألتني من البيعة فإنّ مثلي لا يعطي بيعته سراً، ولا أراك […]


#بعد أن أخبر أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: الحسين بن عليّ “ع” بخبر موت معاوية ودعاه إلى بيعة ولده يزيد فما كان منه “ع” إلّا أن قال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ورحم الله معاوية، وعظم لك الأجر. أما ما سألتني من البيعة فإنّ مثلي لا يعطي بيعته سراً، ولا أراك تجتزئ بها منّي سرّاً دون أن نظهرها على رؤوس النّاس علانية، قال [الوليد]: أجل، قال [الحسين “ع”]: فإذا خرجت إلى النّاس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً، فقال له الوليد وكان يحب العافية: فانصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك السّاعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل، ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو! كذبت والله وأثمت، ثمّ خرج فمرّ بأصحابه، فخرجوا معه حتَى أتى منزله…». [تاريخ الطّبري: ج5، ص340].
#وما تقدّم هو: الصّيغة المعروفة والمشهورة والمعتبرة للحوار الّذي دار بين أمير المدينة والحسين بن عليّ “ع”، والّتي رواها ابن جرير الطّبري المتوفّى سنة: “310هـ” بإسناده عن أبي مخنف، وقد اعتمدها زعيم الطّائفة الإثني عشريّة المفيد المتوفّى سنة: “415هـ” في كتابه الشّهير الإرشاد أيضاً [ج2، ص33]، ولعلّ ما يعزّز هذه الصّيغة من الحوار ما أورده الدينوري في الأخبار الطّوال؛ حيث نقل عن الحسين بن عليّ ع قوله للوليد حينما طلب منه البيعة ليزيد: «إنّ مثلي لا يُعطي بيعته سرّاً، وأنا طوع يديك، فإذا جمعت النّاس لذلك حضرت، وكنت واحداً منهم» [ص228]، ولم يشر إلى مشاجرة الحسين بن عليّ “ع” مع مروان بن الحكم كما جاءت في الطّبري وغيره من المصادر الكثيرة.
#لكنّا نسمع من على المنابر اليوم إضافة مذهبيّة واضحة لهذه المحاورة وكأنّها مستلّة من بعض فقرات ما يُصطلح عليه بـ “زيارة الجامعة الكبيرة” الرّامية لتعزيز صيغة الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة؛ حيث يُقال إنّ الحسين بن علي “ع” التفت إلى أمير المدينة بعد أن وبّخ وقرّع مروان على كلامه ومقترحه وقال: «أيّها الأمير إنّا أهل بيت النّبوّة؛ ومعدن الرّسالة؛ ومختلف الملائكة؛ وبنا فتح الله؛ وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر؛ قاتل النّفس المحرّمة؛ معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يُبايع بمثله، ولكن نصبح وتُصبحون، وننظر وتنظرون: أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة، ثمّ خرج “ع”» [الّلهوف: ص23].
#ومن الواضح: إنّ هذه الإضافة المذهبيّة الواضحة يكذّبها الصّدر والعجز المنقول بشكل معتبر كما لحظنا في الطّبري والإرشاد وغيرها من الكتب التّاريخيّة؛ إذ تعزّز بمحضر أمير المدينة مقترح مروان بن الحكم في ضرورة أخذ البيعة من الحسين بن عليّ “ع” فوراً وإنّ خروجه بدونها يعني عدم بيعته بعد ذلك أصلاً؛ فلو كان أمير المدينة قد سمع مثل هذا التّمرّد والتّبرير الصّريح من قبل الحسين بن عليّ “ع” لرفض البيعة فما باله تركه يخرج ولم يرتّب أيّ أثر بعدها أصلاً، وكان على الحسين بن عليّ “ع” ـ وفقاً لهذه الصّيغة من النّقل ـ أن يكون صريحاً وواضحاً منذ البداية، لا أن يسترجع ويترحّم على معاوية ويطلب من الأمير أن تكون بيعته جهاراً نهاراً ويتراجع أخيراً بعد استفزاز مروان، وهذا يكشف لنا عن عدم صحّة مثل هذه الإضافة بل نحتمل جدّاً وضعها ومنحوليّتها لأسباب موائمة الموقف الحسيني مع ما يُصطلح عليه بنظريّة الشّهادة الّتي روّج لها منذ أيّام ابن طاووس وحتّى يومنا هذا.
#وربّما يُتوهّم: إنّ هذه الإضافات قد جاءت في مصادر متقدّمة على مرحلة ابن طاووس، وهذا يؤكّد قدمها وعدم تأثّرها بسياقات ما ذكرتم من نظريّة في تفسير الموقف الحسيني؛ إذ جاءت في كتاب الفتوح لإبن أعثم الكوفي الّذي يقال إنّه توفّي سنة: “314هـ”، كما جاءت في مقتل الحسين للخوارزمي الّذي يقال إنّه توفّي سنة: “568هـ”.
#وبغية رفع مثل هذا التّوهّم بودّي أن أسجّل بعض النّقاط الإيضاحيّة العاجلة:
#أوّلاً: رغم شحّة المعلومات المتوافرة عن شخصيّة ابن أعثم وندرتها، ورغم اشتمال كتابه على كثير من الغرائب الّتي لا تؤيّدها الكتب الأخرى فضلاً عن عدم اعتبار تفرّداته وأكاذيبه، لكنّنا ـ ووفقاً لمعطيات كثيرة ـ نحتمل جدّاً التّصرّف الوافر في نصوص هذا الكتاب، والسّعي الحثيث لموائمة صياغة رواياته وأخباره مع نظريّة خروج الحسين بن عليّ “ع” من أجل الشّهادة كما روّج لها ابن طاووس؛ لذا يصعب القول جدّاً باعتبار النّسخة الّتي اعتمد عليها في تحقيق هذا الكتاب المطبوع في دار الأضواء، خصوصاً إذا ما قارناها مع النّسخة الفارسيّة من هذا الكتاب والّتي يُقال إنّها تُرجمت في القرن السّادس رغم وجود تصرّف في التّرجمة، بل إنّا إذا رجعنا إلى النّسخة الفارسيّة فلا نعثر على ترجمة لعبارة: “مثلي لا يبايع مثله” أصلاً، بل اقتصرت التّرجمة على فقرة “إنا أهل بيت النّبوّة…إلخ” مع بعض التّغييرات عن النّسخة العربيّة [ص352]، والحديث التّفصيلي يتطلّب محلّاً آخر.
#وثانياً: إنّ المقتل المطبوع والمنسوب للخوارزمي لا اعتبار له عندنا؛ وذلك لعدم ثبوت كونه للخوارزمي أوّلاً، وعدم وجود أيّ قيمة للنّسخة الّتي اُعتمد عليها في طباعته ثانياً؛ وعدم ثبوت وثاقة وأمانة المرحوم محمّد السّماوي ناسخ وطابع الكتاب في هذا الخصوص ثالثاً، وقد شاهدنا كيف إنّ المرحوم عبد الرزّاق المقرّم أبدى شكوكه الواضحة في أمانته حينما احتمل جدّاً إنّه وراء وضع أبيات “لا تدعونّي ويك أم البنين…” ونسبتها لها كذباً [مقتل الحسين، المقرّم: ص337]، وبالتّالي فتصرّفه وتغييره وإضافته في نفس هذه النّسخة ـ حتّى لو فرضنا جدلاً اعتبارها ـ وارد بل واقع أيضاً.
#وثالثاً: أقدم بعض المعاصرين على استلال النّصوص المرويّة عن أبي مخنف من كتاب الطّبري وجعلها في كتاب مستقلّ تحت عنوان: “وقعة الطّف”، وقد قامت بطباعته مؤسّسة النّشر الإسلامي في مدينة قم الإيرانيّة، ولكن على طريقة هذا المعاصر المذهبيّة المؤسّفة ـ والمتكرّرة في عموم المؤسّسات الشّيعيّة الإثني عشريّة إلّا ما شذّ وندر ـ قام بحذف عبارة الحسين بن عليّ “ع”: «رحم الله معاوية، وعظم لك الأجر» ووضع نقاط مكانها [ص80]، ولا أعرف أيّ أمانة علمية يتشدّق هؤلاء بها؟! والطّريف إنّه شجب التّحريف والتّدليس بشدّة في مقدّمة كتابه!!
#وأخيراً: فإنّ ما دعانا لذكر هذه الأسطر هو ضرورة إعادة النّظر مليّاً بصحّة واعتبار نسخ المصادر الّتي نقلت أوّليّات حركة الحسين بن عليّ “ع” وأسبابها، وإنّ الوقوع في شراك النّصوص والنّسخ المتأخّرة يعني الابتعاد عن الحقيقة بمسافات بعيدة جدّاً؛ إذ تُسهم في تكوين صورة مذهبيّة وغير حقيقيّة عن أشخاص ومواقف وأحداث تلك المرحلة وتُسهم بشكل وبآخر في استبعاد نفسي لجملة من الحقائق غير المتوافقة معها، وعلى هذا الأساس اُستُبعدَ من المشهد الكربلائي المعاصر اقتراح الحسين بن عليّ ع” الذّهاب إلى يزيد بن معاوية وهو يتفاوض مع عمر بن سعد في الّلحظات الأخيرة بغية الحيلولة دون وقوع المعركة وسفك الدّماء كما أورده السيّد المرتضى، واستبعدت أيضاً واقعة مبايعة ولده السجّاد “ع” ليزيد أيضاً في أحداث الحرّة، مع إنّ طلب الذّهاب إلى يزيد مباشرة والتّفاوض معه من أجل الحيلولة دون سفك الدّماء ـ خصوصاً وإنّ مع الحسين “ع” أسرته وأطفاله ـ بل وبيعة ولده ليزيد أيضاً في مثل تلك الحالة أمر معقول جدّاً في أدبيّات المنظومة الدّينيّة القرآنيّة بل هو ما استقرّت عليه كلمة وسيرة أئمّة أهل البيت “ع” بعد معركة كربلاء أيضاً، لكنّ نظريّة الشّهادة فعلت فعلتها؛ فأُغلق العقل وسلّم المفتاح إلى العاطفة، فتأمّل والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...