تأمّلات في كتاب عليّ “ع” إلى ابن حنيف!!

21 أغسطس 2018
1363
ميثاق العسر

#من الرّسائل المشهورة جدّاً في أوساطنا الشّيعيّة الإثني عشريّة والّتي نعدّها من أهمّ معالم الزّهد الّتي ينبغي أن يتمتّع بها القائد ونتفاخر على الآخرين بها كثيراً بل ويحفظ جملة منّا مقاطعها من شدّة تكرارها على المنابر والتصقت بآذاننا… أقول من الرّسائل المشهورة هي الرّسالة الّتي يُقال إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب “ع” قد كتبها […]


#من الرّسائل المشهورة جدّاً في أوساطنا الشّيعيّة الإثني عشريّة والّتي نعدّها من أهمّ معالم الزّهد الّتي ينبغي أن يتمتّع بها القائد ونتفاخر على الآخرين بها كثيراً بل ويحفظ جملة منّا مقاطعها من شدّة تكرارها على المنابر والتصقت بآذاننا… أقول من الرّسائل المشهورة هي الرّسالة الّتي يُقال إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب “ع” قد كتبها لتوبيخ واليه في البصرة عثمان بن حنيف قبل معركة الجمل، بعد أن نبا إلى مسامعه حضوره وليمة لفتى من فتيانها جاء في مطلعها: «أمّا بعد يا ابن حنيف؛ فقد بلغني إنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك الى مأدبة، فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم: عائلهم مجفوّ؛ وغنيّهم مدعوّ… ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضي‏ء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعمه بقرصيه، ألا وأنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهادٍ، وعفّةٍ وسداد … الخ». [نهج البلاغة: ص416].
#لكنّك قد تستغرب وتلطم على رأسك إذا ما عرفت إنّ لا عين ولا أثر لهذه الرّسالة في كتاب سنّي أو شيعيّ في مرحلة ما قبل نهج البلاغة المؤلَّف من قبل الشّريف الرّضي المتوفّى سنة: “405هـ” بل ولا معاصريه أصلاً؛ بحيث حتّى من تبرّع وحرص واهتمّ بالبحث عن مصادر للخطب والرّسائل والحكم الواردة في كتاب نهج البلاغة في مرحلة ما قبل الشّريف الرّضي لدفع الشّبهة عنه لم يوفّق في إيجاد ولا مصدر واحد لهذه الرّسالة، وحاول التّشبّت ببعض العبائر الواردة في شرح ابن أبي الحديد حين حديثه عن اختلاف بعض المفردات الواردة في الرّسالة للبرهنة على وجود هذه الرّسالة في مرحلة ما قبل الرّضي، وأغرب كثيراً حينما قال في نهاية المطاف: «أضف إلى ذلك إنّ بعض هذا الكتاب مرويّ بعد الرّضي في كلّ من: الخرائج والجرائح للقطب الرّاوندي؛ وروضة الواعظين لابن الفتّال النّيسابوري؛ والمناقب لابن شهر آشوب، بمغايرة لرواية الرّضي في بعض الكلمات والعبارات، كما تختلف رواية كلّ واحد من هؤلاء عن رواية صاحبيه، وفي كلّ ذلك آيات على اشتهار هذا الكتاب عن أمير المؤمنين “ع”، وإنّ الرّضي لم يتفرّد بروايته» [مصادر نهج البلاغة: ج3، ص221].
#ولا أدري كيف عرف إنّ ابن أبي الحديد حينما نقل اختلافات بعض المفردات والعبائر كان يُشير إلى غير القطب الرّاوندي وابن شهر آشوب المتقدّمين عليه بما يقرب من مئة سنة؟! اللّهم إلّا على أساس توهّم إنّ ابن ابي الحديد كان متقدّماً على هؤلاء زمنيّاً وكان معاصراً للشّريف الرّضي مثلاً!! مع إنّ القطب الرّاوندي متوفّى سنة: “573هـ”؛ وابن الفتّال النّيسابوري متوفّى سنة: ” 508هـ”]؛ وابن شهر آشوب المتوفّى سنة: “588هـ”؛ وإنّ ابن أبي الحديد متوفّى سنة: “656هـ”.
على إنّ صاحب “روضة الواعظين” روى جملاً قصيرة جدّاً من هذا الرّسالة ولم يدّع إنّها من كتاب عليّ “ع” إلى عثمان بن حنيف محلّ البحث، وإنّما قال إنّه من كتاب كتبه إلى سهل بن حنيف، وهو بذلك يُشير إلى الأساطير والحكايات الّتي رواها الصّدوق في أماليه بإسناده ذي المجاهيل عن الصّادق “ع” عن آبائه القول: «إنّ أمير المؤمنين “ع” قال في رسالته إلى سهل بن حنيف “رحمه الله”: “والله ما قلت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوّة جسديّة ولا حركة غذائيّة، لكنّي أُيّدت بقوّة ملكوتيّة وبنفس بنور ربّها مضيئة، وأنا من أحمد كالضّوء من الضّوء، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت، ولو أمكنتني الفرصة من رقابها لما بقّيت، ومن لم يُبال متى حتفه عليه ساقط فجنانه في الملمّات رابط”» [ص514].
#وكيف كان؛ فربّما تستغرب قائلاً: وما دخل هذا الكتاب بموضوع فدك الّذي عقدت سلسلة مقالات من أجل بحثه فقهيّاً وعقائديّاً انسياقاً مع قواعد الصّناعة الاجتهاديّة الإثني عشريّة المتداولة؟!
#والجواب: إنّ سبب ذلك يعود إلى فقرة أساسيّة وردت في هذه الرّسالة يتمسّك المذهبيّون بها كثيراً من أجل تعزيز موقفهم حول التّفاصيل الّتي وردت في الخطبة الفدكيّة المكذوبة على السّيدّة الزّهراء ع كما أوضحنا وسنوضح لاحقاً، وهي ما يُنسب إلى عليّ “ع” من القول: «بلى؛ كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك، والنّفس مظانّها في غدٍ جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها…» [نهج البلاغة؛ الشّريف الرّضي: ص417].
#وبعد أن اتّضح للمتابع خلوّ المصادر المتقدّمة والمعاصرة للشّريف الرّضي والمهتمّة بهذا الشّأن كثيراً من هذه الرّسالة، الأمر الّذي يجعلنا نشكّك بجدٍّ في واقعيّته خصوصاً وإنّ الرّسالة ـ كما هو الفرض ـ كُتبت حينما كان عليّ ع في المدينة مطلع استلام خلافته، أقول إذا اتّضح ذلك يتّضح أيضاً إنّ الغرض من وضع هذا الكتاب ما يلي:
#الأوّل: تعزيز الشّواهد على الصّورة النّمطيّة المثاليّة المرسومة في الأذهان عن زهد عليّ بن أبي طالب”ع” بصور وعبارات أدبيّة تتناسب مع أفق تلك المرحلة، ولها قابليّة الاستحكام في المخيلة الشّيعيّة بشكل كبير جدّاً، والعرف ببابك.
#الثّاني: معالجة الإشكال القويّ الّذي يقف أمام القائلين بملكيّة الزّهراء “ع” الشّخصيّة لفدك؛ إذ يقال كما قيل أيضاً: لو كان الأمر كذلك فلماذا لم يبادر عليّ “ع” بإرجاعها إلى ورثتها الشّرعيّين فور استلام خلافته، فيأتي الجواب كما جاء في هذا الكتاب بأنّ ذلك يأتي انسياقاً مع زهده وابتعاده عن زبرجة الدّنيا، فتفطّن وترقّب المزيد، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير
#مرجعيّات_مجهول_المالك


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...