تأمّلات في روايات الأئمة “ع”!!

24 أكتوبر 2016
1113

على مدى الفترة التي امتدت من أواسط سنة: (11) من الهجرة وحتّى سنة: (329) منها حيث انتهاء فترة الغيبة الصغرى كان بعض الناس يستفسرون من أئمة أهل البيت “ع” عن أحكام ما يواجهونه من حوادث يوميّة وما يعترض لهم من ملابسات، وقد وصل إلينا كمٌ كبير من هذه الأسئلة جُمعت في المجامع الحديثيّة تحت عنوان الروايات.
وحينما جاء الفقهاء بعد هذه الفترة وأرادوا الاستفادة من نفس هذه الروايات لإجابة الأسئلة المستجدّة التي ترد إليهم بعد انقطاع باب التواصل المباشر مع الأئمّة “ع” وجدوا إن قسماً من الروايات متّفقة فيما بينها على طول تلك الفترة الطويلة، ووجدوا قسماً منها مختلف ومتعارض؛ فبعضها عامّ وبعضها خاصّ، وبعضها مطلق وبعضها مقيّد… فلجأوا لتأسيس مجموعة من القواعد الرجاليّة والدرائيّة والأصوليّة لمحاكمتها وتقديم أحدها على الآخر، ليستندوا في نهاية المطاف إلى الراجح منها الذي يتجاوز هذه المحاكمات، خصوصاً وقد جاءت بعض هذه القواعد الترجيحيّة من قبل الأئمّة “ع” أنفسهم حينما كان الرواة يلاحظون في نفس إجاباتهم ما ظاهره التعارض والتضاد.
وهكذا تطوّرت هذه القواعد يوماً بعد يوم تبعاً لتطوّر العقل البشري، وأخذ الطالب الحوزويّ يقضي سنوات طويلة جدّاً في دراساتها والتعمّق فيها، ولكن السؤال الذي ينبغي إيلاء عناية للإجابة عليه هو التالي:
#هل إن الأصل في إجابات الأئمة “ع” على استفسارات أصحابهم “الفقهيّة” هو: وجود إطلاق أزمانيّ فيها يلحظ الحاضر والمستقبل حتّى نهاية عصر التكليف، وإذا أراد أحدٌ أن ينفي مثل هذا الإطلاق عن رواية من هذه الروايات فعليه أن يبرز قرينة على ذلك، #أم إنّ الأصل في إجاباتهم “ع” على استفسارات أصحابهم هو: عدم وجود إطلاق أزمانيّ فيها يلحظ الحاضر والمستقبل حتّى نهاية عصر التكليف، بل هي إجابات تلحظ تلك الأسئلة من دون أن تعزلها عن واقعها الكرونولوجي، ومن يريد أن يثبت الإطلاق الأزمانيّ في رواية فعليه أن يثبت وجوده بدليل؟!
#يبدو إن الفقه الشيعي يتعامل مع النصوص الروائيّة الفقهيّة لأئمّة أهل البيت “ع” على أساس الاتجّاه الأوّل، وشُيّدت على هذا الأساس كثير من القواعد الاجتهاديّة التي أصبحت جزءاً من بدهيّات الاجتهاد الشيعي، لكنّي من المحتملين جدّاً للاتجّاه الثاني، والذي تترتّب عليه كثير من النتائج المعرفيّة الخطيرة أهمّها: سقوط نسبة كبيرة من الروايات الفقهيّة المرويّة عن الأئمة “ع” عن “الحجيّة”، وحصرها في دائرة ظروفها التي لا تنفكّ عن زمنها، وبالتالي سقوط ما ترتّب عليها… .
وأخيراً ينبغي التنويه إلى ملاحظتين:
#الأولى: إن إثبات الإطلاق الأزماني في نصوصهم “ع” “الفقهيّة” لا ينبغي أن يتّكأ على الروايات النبويّة الآمرة بضرورة التمسّك بهديهم؛ فإن نفي الإطلاق الأزماني عنها لا يتنافى مع الالتزام في طول الخطّ بهديهم الذي يحمل مثل هذا الإطلاق، ولا يتنافى مع عصمتهم أيضاً؛ إذ إنّ نفي الإطلاق الأزماني لا يساوق نفيها، بل قد يُسهم في تكريسها.
#الثانية: الاتّجاه أعلاه يختلف عن الاتّجاه الذي يرى المدخليّة “الجزئيّة” لعنصري الزمان والمكان في استنباط الأحكام وفي فهم النصوص الروائيّة؛ إذ يختلف معه في المنطلقات وفي الآليّات ودوائر العمل أيضاً.
أتمنّى على الباحثين التأمّل في هذا الاحتمال كثيراً، وإثراءه بالنقد والإثارة والملاحظة بعيداً عن الضغوط الحوزويّة والمذهبيّة، وللموضوع صلة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...