تأمّلات في دعوى الشّفاء بطين كربلاء!!

13 مارس 2020
142
ميثاق العسر

#حملت النّصوص الكثيرة المرويّة عن جعفر بن محمّد الصّادق “ع” وغيره أيضاً تصريحات واضحة جدّاً في أنّ «طين قبر الحسين [بن عليّ] “ع” شفاء من كلّ داء»، «وهو الدّواء الأكبر»، وقد قامت سيرة الشّيعة الإثني عشريّة على أساس هذا الاعتقاد، واستُنبطت الفتاوى الفقهيّة أيضاً، وهو أمر معروف وواضح عندهم لا يحتاج إلى توثيق. #ومن الواضح […]


#حملت النّصوص الكثيرة المرويّة عن جعفر بن محمّد الصّادق “ع” وغيره أيضاً تصريحات واضحة جدّاً في أنّ «طين قبر الحسين [بن عليّ] “ع” شفاء من كلّ داء»، «وهو الدّواء الأكبر»، وقد قامت سيرة الشّيعة الإثني عشريّة على أساس هذا الاعتقاد، واستُنبطت الفتاوى الفقهيّة أيضاً، وهو أمر معروف وواضح عندهم لا يحتاج إلى توثيق.
#ومن الواضح الّذي لا يشكّ ذو مسكة فیه: إنّك إذا سألت أيّ طبيب محايد ـ والمحايد قيد احترازيّ يستهدف عزل المذهبيّ السّاذج ـ عن ذلك فسوف يضحك كثيراً، ويبادر فوراً لمحاججتك وتحدّيك أيضاً، ويعرض عليك عشرة مرضى يعانون من أمراض مختلفة ويدعوهم لتناول طين هذا القبر، فإذا شفي واحد منهم فقط بعد إجراء الفحوصات الّلازمة له قبل وبعد تناوله فسوف يصدّقك فوراً.
#لكنّك لا تستطيع أن تدخل معه في مثل هذا التّحدّي، بل وتفرّ منه فرارك من الأسد، وفي الوقت نفسه: ستعيد موضعة نفسك ومقولاتك، وتبادر فوراً لإجابته قائلاً: إنّ الصّادق “ع” لا يُريد أن يدعو صاحب الأمراض المستعصية والمميتة أو غيرها أيضاً إلى تناول هذا الطّين وترك المعالجات الطّبيعيّة المعروفة من الذّهاب إلى الأطبّاء وعقاقيرهم المعروفة، وإنّما يعني: إنّ تناولها سيحقّق الشّفاء بإذن الله وإذا شاء أيضاً، وبشرطها وشروطها!!
#بلى؛ إنّ جماعتنا لمّا رأوا عدم واقعيّة هذه النّصوص الرّوائيّة بل عدم علميّتها أيضاً، لم يجدوا من حيلة إلّا أن يميّعوا النّصوص في وعي عامّة النّاس من مقلّديهم، ويقولوا لهم: عليكم بأخذ الأسباب الطّبيعيّة بعين الاعتبار، وهذه من الواضحات البيّنات الّتي أغفلها الإمام وهو قاصد لها جزماً؛ لأنّها من الارتكازات الّلبيّة الواضحة كما يعبّرون!!
#ولكنّي أسألهم سؤالاً بسيطاً جدّاً يعرف جوابه حتّى الصّبيان: إذا كان في زمن الصّادق “ع” أطبّاء جسمانيّون معروفون والنّاس تقصدهم لذلك، فلماذا لم يُرشد شيعته لهم في بداية الأمر، ويقول لهم: عليكم بالاستشفاء بالأسباب الطّبيعيّة أوّلاً، ومع هذا فلا تتركوا الزّيارة وتناول طين القبر؟!
#وإذا لم يكن في زمن الصّادق “ع” أطبّاء جسمانيّون معروفون وكان الطّب في وقتها ضعيفاً جدّاً لعدم بدء حركة التّرجمة، فإرشاداته “ع” بهذه الطّريقة الحصريّة الجزميّة كانت من ضيق الخناق وعدم وجود المندوحة وانسياقاً مع قناعات دينيّة كانت راسخة لديه، وبالتّالي: فمع توفّر الطبّ وعلاجاته فتسقط هذه النّصوص من رأس؛ لثبوت خطئها وعدم واقعيّتها، بل ربّما ضررها أيضاً، خصوصاً مع تحريم أكل الطّين.
#أجل؛ اعتقد أنّنا بحاجة إلى جرأة كبيرة جدّاً لمناقشة هذه الأمور وتعريتها؛ لأنّها وإن كانت تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من ذاكرتنا المذهبيّة وحاضرنا أيضاً، لكنّ لم يثبت في مكان ما: أنّ علينا التّمسّك بهذه الذّاكرة والاستقتال في سبيلها حتّى وإن أفضت إلى إلغاء عقولنا وسحقها، بل الصّحيح: موضعة الأمور في مكانها المناسب، والابتعاد عن الخرافة والأسطرة قدر الإمكان؛ كي نتمكّن من الدّفاع عن قناعاتنا الدّينيّة السّليمة ونحن نواجه جيلاً لا يعرف غير لغة العلم واكتشافاته، وهذا لن يحصل إلّا إذا رفعنا اليد عن الغطاء الكلاميّ المذهبيّ الفاسد الّذي قبّعنا أصحاب هذه النّصوص به، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...