تأمّلات في حقيقة صدور دعاء الافتتاح!!

18 مايو 2019
46
ميثاق العسر

#تواظب مساجدنا وحسينيّاتنا وفضائيّاتنا وعتباتنا وكثير من متديّنينا… على قراءة الدّعاء المُسمّى بالافتتاح في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان الكريم، ويعدّون ذلك أحد الطّقوس الرّمضانيّة الواجبة والّتي أمر أهل البيت “ع” شيعتهم بها، من هنا كان من المناسب أن نفتح البحث بشكل حياديّ وموضوعيّ فيه؛ كي نعرف مصدره ومن هو الّذي يتحمّل مسؤوليّة تسويقه، […]


#تواظب مساجدنا وحسينيّاتنا وفضائيّاتنا وعتباتنا وكثير من متديّنينا… على قراءة الدّعاء المُسمّى بالافتتاح في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان الكريم، ويعدّون ذلك أحد الطّقوس الرّمضانيّة الواجبة والّتي أمر أهل البيت “ع” شيعتهم بها، من هنا كان من المناسب أن نفتح البحث بشكل حياديّ وموضوعيّ فيه؛ كي نعرف مصدره ومن هو الّذي يتحمّل مسؤوليّة تسويقه، وبذلك يكون قارئ هذا الدّعاء على اطّلاع تامّ بطبيعة ما يقرأ في هذا الشّهر الفضيل؛ لأنّ الأدعية والزّيارات إحدى الطّرائق البارزة الّتي يسلكها المعنيّون لتمرير أفكارهم المذهبيّة وتعميق ما يُريدونه من صور نمطيّة دون أن يتركوا خطأً صناعيّاً وعلميّاً وراءهم؛ باعتبارهم أصّلوا لقاعدة فاسدة في علم أصول الفقه مفادها: التّسامح في أمثال هذه النّصوص وعدم وجود المبرّر للتّدقيق السّنديّ أو المضمونيّ فيها.
#في كتابيه تهذيب الأحكام ومصباح المتهجّد أورد شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي والمتوفّى سنة: “460هـ” الدّعاء المعروف في أوساطنا بالافتتاح دون سند يُذكر ومن غير نسبته إلى أيّ إمام أيضاً، حيث قال: «وتدعو بهذا الدّعاء في كلّ ليلة من شهر رمضان من أوّل الشّهر إلى آخره وهو: الّلهم إنّي أفتتح الثّناء بحمدك…». [تهذيب الأحكام: ج3، ص117، تحقيق: الغفّاري؛ ج3، ص108، تحقيق: الخرسان؛ مصباح المتهجّد: ص577]
#لكنّ أوّل ظهور مُسند لهذا الدّعاء جاء على لسان السيّد عليّ بن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” وفي كتابه “إقبال الأعمال” تحديداً؛ إذ أورده بالسّند التّالي قائلاً: «فمن ذلك الدّعاء الّذي ذكره محمد بن أبي قرّة بإسناده فقال: حدّثني أبو الغنائم محمّد بن محمّد بن محمّد بن عبد الله الحسنيّ، قال: أخبرنا أبو عمرو محمّد بن محمّد بن نصر السّكونيّ “رض”، قال: سألت أبا بكر أحمد بن محمد بن عثمان البغدادي “رحمه الله” أن يخرج إليّ أدعية شهر رمضان التي كان عمّه أبو جعفر محمد بن عثمان بن السعيد العمريّ “رضي الله عنه وأرضاه” [المُصطلح عليه بالسّفير الثّاني] يدعو بها، فأخرج إليّ دفتراً مجلّداً بأحمر، فنسخت منه أدعية كثيرة وكان من جملتها: وتدعو بهذا الدّعاء في كلّ ليلة من شهر رمضان؛ فإنّ الدّعاء في هذا الشّهر تسمعه الملائكة وتستغفر لصاحبه، وتقول: الّلهم إنّي أفتتح الثّناء بحمدك…». [إقبال الأعمال: ج1، ص138، تحقيق: القيّومي].
#وبعد هذا الإيضاح نجد من الضّروري تقديم بعض الملاحظات:
#الأولى: إنّ الدّعاء وفقاً لكلا النّقلين لم يُنسب إلى أيّ إمام من الأئمّة الإثني عشر المعروفين، وبالتّالي: فما يُقال من نسبته إلى الثّاني عشر مجرّد تخرّصات واحتمالات تبني على فرضيّة إنّ ما في كتب العمريّ “الإبن” ـ على فرض صحّة استلاله منها ـ مستقى من نجل الحسن العسكريّ “ع” على فرض ثبوته، وهذا أوّل الكلام.
#الثّانية: الظّاهر إنّ ابن طاووس قد نقل الدّعاء من كتاب عمل شهر رمضان لأبي الفرج القناني الكاتب أحد مشايخ النّجاشي والّذي وثّقه وأجازه بجميع كتبه أيضاً [رجال النّجاشي: ص398]، وهذا الكتاب وإن لم يُصرّح باسمه النّجاشي لكنّ من المحتمل أن يكون أحد أجزاء كتابه المُسمّى بـ: “عمل الشّهور” كما رجّح ذلك إيتان كولبرغ في كتابه المخصّص لإبن طاووس ومكتبته [ص180]، لكنّ المرحوم صاحب الذّريعة احتمل أن يكون أحد أجزاء كتاب المسرّة [الذّريعة: ج15، ص345]، لكنّ هذا الاحتمال لا شاهد عليه حسب الظّاهر كما أفاد كولبرغ، ومن غير المعلوم أن يكون لإبن ابي قرّة أو غيره كتاب بهذا الاسم [مصدر سابق: ص405]، وكيف كان فإنّ الفاصلة بين ابن طاووس وابن أبي قرّة هي قرابة الثّلاثة قرون، ولا نعرف الطّريق الّذي وصلت من خلاله نسخة الكتاب إليه.
#الثّالثة: إذا أغمضنا الطّرف عن حال وأحوال جميع رواة الدّعاء وفيهم المجهول فإنّ الرّاوي المباشر له والّذي يُدعّى أنّه استقاه من كتب عمّه الّذي يُصطلح عليه بالسّفير الثّاني هو: محمّد بن أحمد بن عثمان المُكنّى بأبي بكر البغداديّ، وقد عدّه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” في كتابه الغيبة: في عداد السّفراء المذمومين الّذين ادّعوا البابيّة لعنهم الله على حدّ توصيفه؛ إذ بعد أن نصّ على اشتهاره بقلّة العلم والمروءة عاد لينقل في ذمّه رواية نقلها التّلعكبريّ المتوفّى سنة: “385هـ” عن أبي القاسم الحسين بن عبد الرّحمن الأبرارودي قال فيها: «أنفذني أبي عبد الرحيم إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري “رض” في شي‏ء كان بيني وبينه، فحضرت مجلسه وفيه جماعة من أصحابنا، وهم يتذاكرون شيئاً من الروايات وما قاله الصادقون “ع”، حتّى أقبل أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي ابن أخي أبي جعفر العمريّ “رض”، فلما بصر به أبو جعفر [العمريّ] “رض” قال للجماعة: أمسكوا؛ فإنّ هذا الجائي ليس من أصحابكم». [الغيبة: ص413ـ414، تحقيق: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة].
#الرّابعة: لم يكتف الطّوسي بذمّ الرّجل وتوهينه بما تقدّم آنفاً، بل أردفه بنقل ذمّ آخر له قائلاً: «وحُكي أنّه توكّل لليزيديّ بالبصرة، فبقي في خدمته مدّة طويلة، وجمع مالاً عظيماً فسُعي به إلى اليزيدي [البُريدي]، فقبض عليه، وصادره، وضربه على أمّ رأسه، حتى نزل الماء في عينيه، فمات أبو بكر ضريراً». [الغيبة: ص414].
#الخامسة: الغريب إنّ شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” وصف سند الدّعاء في كتابه زاد المعاد بالمعتبر قائلاً: «وروي بسند معتبر عن صاحب الأمر “عج” أنّه كتب لشيعته أن يقرأوا في كلّ ليلة من ليالي رمضان هذا الدّعاء؛ فإنّ الملائكة تسمع دعاء هذا الشّهر وتستغفر لصاحبه» [زاد المعاد: نسخة خطيّة فارسيّة، النّسخة المعرّبة: ص86]، ولا ندري: على أيّ أساس استند المجلسي في وصف السّند بالاعتبار؟!، كما لم يظهر لنا وجه تعبير المرحوم الشّوشتري بعد أن استعرض نصوص تضعيف أبي بكر البغدادي قائلاً: «لكن عبارات الدعاء واعتماد المفيد عليه يصحّحه»؛ إذ لا نعرف أيّن صحّح المفيد الدّعاء، ومن هنا احتمل محقّقو الكتاب وجود سقط في عبارته “رحمه الله”.[قاموس الرّجال: ج9، ص72].
#السّادسة: الملاحظ إنّ المضامين الواردة في دعاء الافتتاح حتّى فقرة: «الحمد لله الّذي يخلق ولم يُخلق، ويرزق ولا يُرزق، ويُطعم ولا يُطعم، ويُميت الأحياء ويُحيي الموتى، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير» نقيّة لا مشكلة فيها، وربّما كان الدّعاء في أصله المُنشأ من قبل أحدهم إلى هذه الفقرة ليس إلّا، لكنّ الإضافات المذهبيّة الواضحة الّتي جاءت بعدها يصعب القول بصدورها ممّن تجب طاعته في رتبة سابقة حتّى لو كانت على مستوى التّعليم، من قبيل: «وصلّ على وليّ أمرك القائم المؤمّل، والعدل المنتظر، واحففه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين، الّلهم اجعله الدّاعي إلى كتابك، والقائم بدينك، استخلفه كما استخلفت الّذين من قبله، مكّن له دينه الّذي ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمناً، يعبدك لا يشرك به شيئاً، الّلهم أعزّه وأعزز به، وأنصره وانتصر به، وأنصره نصراً عزيزاً، الّلهم أظهر به دينك وملّة نبيّك؛ حتّى لا يستخفي بشيء من الحقّ مخافة أحد من الخلق»، أو قوله: «الّلهم إنّا نشكو إليه فقد نبيّنا “ص”، وغيبة إمامنا، وكثرة عدّونا، وشدّة الفتن بنا، وتظاهر الزّمان علينا…إلخ».
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّنا حتّى وإن سلّمنا بوجود طريق صحيح للسيّد ابن طاووس إلى كتب ابن أبي قرّة ولا نسلّم؛وحتّى لو سلّمنا بوثاقة جميع رجال سنده حتّى راويه الأوّل أبي بكر البغدادي ولا نسلّم، وحتّى لو سلّمنا فرضاً بوثاقة راويه المباشر الّذي اتّفقت كلمتهم على ضعفه وعدم وثاقته كما أوضحنا، إلّا إنّ إثبات صدوره ممّن تجب طاعته في رتبة سابقة أمر يعوزه الدّليل، لذا نرجّح إنّ الدّعاء من الإضافات المتأخّرة عن عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الصّغرى، وهو تلفيق ضمّ فقرات بعض الأدعية المرويّة أيضاً، كما إنّ الفقرة الأخيرة منه إضافة مذهبيّة واضحة تهدف إلى إثبات جملة من الأمور أهمّها: إنّ ولادة وغيبة نجل للحسن العسكريّ “ع” أمر مفروض ومفروغ منه ومتسالم بين عموم الشّيعة آنذاك وكلّ ما على النّاس هو الانتظار والدّعاء، وهو أمر يصعب تصوّره، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...