تأمّلات في العصمة العلميّة لأهل البيت “ع”!!

26 يونيو 2018
1402
ميثاق العسر

#يذهب أحد الفقهاء من أساتذتنا الكرام “عافاه الله وشافاه” إلى إنّ الله تعالى قد هندس القرآن الكريم ليكون كتاباً هادياً للنّاس كافّة؛ وخالداً محفوظاً على مرّ الدّهور والأجيال؛ وحبلاً ممدوداً بين الّسماء والأرض، وبدهيّ إنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يُربط فهمه على القرآئن الحاليّة الخارجة عنه؛ باعتباره تبياناً لكلّ شيء، “وهدى للنّاس يخرجهم […]


#يذهب أحد الفقهاء من أساتذتنا الكرام “عافاه الله وشافاه” إلى إنّ الله تعالى قد هندس القرآن الكريم ليكون كتاباً هادياً للنّاس كافّة؛ وخالداً محفوظاً على مرّ الدّهور والأجيال؛ وحبلاً ممدوداً بين الّسماء والأرض، وبدهيّ إنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يُربط فهمه على القرآئن الحاليّة الخارجة عنه؛ باعتباره تبياناً لكلّ شيء، “وهدى للنّاس يخرجهم من الظلمات إلى النّور، ومرجعاً للبشريّة على مدى الدّهور والتّاريخ”، “ألا ترى إنّ الإنسان في محاوراته‌ بالمشافهة قد يعتمد على قرائن حاليّة غير لفظيّة، ولكن عندما يريد نقل مطالبه الى آخرين ضمن كتاب أو رسالة فسوف يحوّل تلك القرائن إلى قرائن لفظيّة مثبّتة ضمن نصّ الكتاب، وهذا يعني إنّ الآيات القرآنيّة المصمّمة للغرض المذكور لا يُعتمد فيها عادة على القرائن الحاليّة بحيث تكون تلك القرائن مغيّرة ومؤثّرة على معنى الآية وظهورها العرفيّ؛ فإنّ هذا خلاف الغرض المنشود من وراء هذا الكتاب الكريم”. [كتاب الخمس: ج2، ص13].
#ورغم التّحفّظ الّذي نسجّله على كليّة هذا البيان بمعنى إنّنا لا نعتقد بكون جميع ما هو موجود بين الدّفتين قد هندسه الله تعالى لهداية جميع البشر في طول عمود الزّمان، ونذهب إلى إنّ بعض الآيات الموجودة فيه ـ ومنها آية الخمس ـ تأريخيّة عالجت مشاكل آنيّة استدعتها ظروف المسلمين الأوائل وطبائعهم، وبالتّالي فاحتمال اعتمادها على قرآئن حاليّة غير لفظيّة وغير منقولة لارتهانها بزمانها ولحظتها محتمل جدّاً، أقول رغم هذا التّحفّظ لكنّنا نرى تماميّة هذا البيان في عموم الآيات القرآنيّة، ونجعله شاهداً ومنبّهاً وأساساً في مناقشة أيّ مفهوم آخر يُدعّى كونه عدلاً وقريناً للقرآن في الاحتفاظ بمثل هذه الخصوصيّات المستمرّة والخالدة.
#بيان ذلك: إذا ذهبنا مذهب الإثني عشريّة في جعل نصوص أئمّة أهل البيت الإثني عشر المعروفين “ع” عدلاً للقرآن بمعنى توفّرها على نفس الخصائص القرآنيّة في الهداية والإرشاد والخلود في طول عمود الزّمان على الاختلاف في صياغة ترتّب مرجعيّة أحدهما بالنّسبة إلى الآخر فهذا يعني إنّ على أهل البيت “ع” أن يطرحوا نصوصهم الرّوائيّة بطريقة لا يحتاج فهمها واستنباط الأحكام منها إلى قرآئن حاليّة غير لفظيّة؛ إذ إنّ مثل هذه القرآئن لا يمكن أن تُنقل في العادة أو لا يمكن لنفس الرّاوي أن يفهمها، فكيف ونصوصهم “ع” مبتلاة بآفات كثيرة جدّاً، لا على مستوى اعتماد بعضها على قرائن حاليّة غير لفظيّة فقط والّتي لم يتمكّن الرّواة من نقلها ولا يمكن نفيها بالأصول العقلائيّة الفرضيّة، بل لاشتمالها على التّقيّة والنّقل بالمعنى والتّقطيع والتّحريف والتّصحيف والدّس والوضع فضلاً عن المشاكل السّنديّة، لا بل نلاحظ التّناقض والتّضاد الواضح والمستحكم بين بعضها بحيث لا يجد الفقيه مندوحة إلّا بإسقاط حجيّتها جميعاً عن الاعتبار، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن نجعل مثل هذه النّصوص عدلاً للقرآن في الهداية والإرشاد والخلود في طول عمود الزّمان؟!
#إن قلت: إنّ نصوص الأئمّة “ع” نصبت آليّات واضحة لعلاج المشاكل الّتي تعتري نصوصهم “ع” ومنها آليّة العرض على القرآن، وبالتّالي فإنّ الاعتماد على هذه الآليّات سوف ينظّف هذه النّصوص من المشاكل المضمونيّة والسّنديّة الّتي تعتريها؟
#أقول: إنّنا حتّى لو سلّمنا بحقّانيّة مثل هذه الآليّات وتجاوزنا احتمال توافر نفس المشكلة العامّة الّتي تعاني منها أخبارهم “ع” في نصوص هذه الأخبار، إلّا أنّ هذه الآليّات لن تحلّ سوى نسبة ضيئلة جدّاً من المشاكل الّتي تعتري نصوصهم “ع” فضلاً عن كونها آليّات غير واضحة التّطبيق أيضاً، ففي آليّة العرض على القرآن مثلاً هل يتمّ عرض النصّ الرّوائيّ المثير للجدل على آحاد الآيات القرآنيّة أم على روح القرآن العامّة أم على محكماته…؟! وبالتّالي تجد كلّ طرف يدّعي تطابق نصوصه مع القرآن. فهذه الآليّات أيضاً غير مقبولة أو إنّها لا يمكن الاستناد إليها في تدعيم الرأي القائل بأنّ نصوصهم “ع” هي عدل للقرآن من حيث الهداية والإرشاد والخلود في طول عمود الزّمان.
#إن قلت: لا شكّ في اشتمال نصوص أهل البيت “ع” على مثل هذه الآفات، ولكنّهم “ع” أرشدونا إلى الفقهاء العدول في سبيل علاج هذه المشاكل ورفعها، والفقهاء بذلوا قصارى جهدهم في سبيل تحصيل الحكم الشّرعي الصّحيح من هذه النّصوص الرّوائيّة؟!
#أقول: إنّا حتّى لو سلّمنا ـ ولا نسلّم ـ بإرجاع أهل البيت “ع” النّاس إلى الفقهاء العدول في عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الكبرى من أجل تحصيل الحكم الشّرعي من القرآن ونصوصهم “ع” حصراً، فإنّ هؤلاء الفقهاء أنفسهم يعترفون بصريح العبارة بإخفاقهم وعجزهم عن تحصيل حكم الله الواقعي وفقاً لإمكانيّاتهم وأدواتهم، وكلّ ما يقدّمونه من فتاوى لا تعدو كونها ـ في الحقيقة ـ أحكاماً ظاهريّة أُخذ احتمال الخطأ فيها بدرجة كبيرة، وبالتّالي فإنّ جعل الفقهاء وفتاواهم قريناً لأهل البيت “ع” ونصوصهم لا يحلّ الاعتراض طالما إنّ الفقهاء وفتاواهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى نتيجة جازمة في حلّ المشاكل الّتي تعتري نصوصهم “ع”، بل ابتدعوا من أجل ذلك عشرات القواعد الأصوليّة وغيرها.
#إن قلت: إنّ هذا الاعتراض لا يشمل نصوصهم “ع” بل يشمل حتّى نصوص النّبيّ الأكرم أيضاً فهل يمكن الالتزام بمثل هذا الّلازم؟
#أقول: لا شكّ بأنّ هذا الاعتراض سيّال يشمل حتّى النّصوص المرويّة عن النّبي الأكرم ص، ولكن حيث إنّ الحجيّة الدّينيّة لبعض النّصوص النّبويّة قد ثبتت قرآنيّاً فلا شكّ في إنّنا نحتمل جدّاً عدم ابتلائها باحتمال القرآئن الحاليّة غير الّلفظيّة، نعم تبقى هناك مشاكل من نوع آخر، ولكنّ قصر الفترة الّتي عاشها النّبي “ص” وكونه شخصاً واحداً ـ لا أشخاصاً متعدّدين وفي فترات زمنيّة متباعدة كما هو الحال في الأئمّة الإثني عشر “ع” ـ تقلّل مثل هذه الآفات الطويلة والكثيرة والمستحكمة في نصوصه، وبالتّالي فقياس نصوصه “ص” بنصوصهم “ع” قياس مع الفارق الكبير جدّاً بغضّ الطّرف عن الصّياغة الكلاميّة الّتي نختارها في تحديد طوليّة نصوصهم ع أو عرضيّتها بالقياس إلى الله ونبيّه، ولعلّ هذا هو الّذي دعا القرآنيّون ـ الفرقة المعروفة ـ إلى إنكار حجيّة السّنّة النبويّة.
#إذن وفي نهاية هذه التّأمّلات السّريعة نجد إنّ احتمال خلوّ نصوصهم “ع” من فرضيّة الإطلاق الأزمانيّ والأحواليّ والّذي يعتبر الرّكيزة الأساس والأهمّ عند فقهاء الإثني عشريّة وأصوليّهم يُعدّ دعوى غير مجانبة للصّواب كما قد يتوهّم، بل إنّ التّعارض البيّن والمستقرّ لنصوصهم القطعيّة يعتبر خير منبّه وشاهد على عدم انبغاء جعل نصوصهم في سلّة واحدة حين الاستنباط والتّرجيح كما هي طريقة الفقهاء والأصوليّين الإثني عشريّة المعاصرين، ومن ثمّ ينبغي علينا إعادة النّظر في مفهوم العصمة العلميّة لأئمّة أهل البيت “ع” بشكل مجموعي وضرورة موضعتها في مكانها السّليم وتقييم كلّ واحد منهم “ع” على حدة، ومن دون ذلك سنبقى نلوك في تأويل رواياتهم ومرويّاتهم وقضاء أعمارنا في تأويلها ومطّها وتقليصها، وحينما نرى بالوجدان عدم جدوائيّتها العمليّة نضطر إلى تجميدها واستحداث عناوين ثانويّة لاستمراريّة حياتنا وتبرير فشلنا، والله من وراء القصد.
#الإمامة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...