تأمّلات في إمامة ما بعد الوقوع!!

#هناك كتاب معروف ومتداول في الأوساط الشّيعيّة كثيراً حمل عنوان: «كفاية الأثر في النّصوص على الأئمّة الأثني عشر»، وقد نسبه المجلسي صاحب البحار إلى: عليّ بن محمد بن عليّ الخزّاز، ومع إغماض الطّرف عن الاختلاف في شخص مؤلّف هذا الكتاب لكن ما يهمّني فعلاً من باب المقدّمة أن أشير إلى نصّ المجلسي صاحب البحار حينما عرّف هذا الكتاب باعتباره أحد مصادره حيث قال:
«كتاب الكفاية كتاب شريف لم يؤلف مثله في الإمامة، وهذا الكتاب ومؤلفه مذكوران في إجازة العلامة وغيرها، وتأليفه أدلّ دليلٍ على فضله وثقته وديانته، ووثّقه العلّامة في الخلاصة، قال: كان ثقة من أصحابنا فقيهاً وجهاً، وقال ابن شهرآشوب في المعالم: علي بن محمّد بن علي الخزّاز الرازي ويقال له القمي، وله كتب في الكلام وفي الفقه، من كتبه الكفاية في النصوص». [بحار الأنوار: ج1، ص29].
#إذا عرفنا ذلك تعالوا معي لأنقل لكم رواية واحدة من رواياته الّتي نقلها عنه صاحب البحار عادّاً إيّاها من الموثّقات حسب تعبيره آنفاً، ولكن قبل أن أنقلها عليّ تذكير القرّاء بالأزمة الكبيرة الّتي رافقت رحيل الإمام الصّادق “ع” في مجال تحديد الإمام الّذي يليه، وكيف إنّ هشام بن سالم ومؤمن الطّاق فضلاً عن محمد بن مسلم كانوا حيارى لا يعرفون أين يذهبون كما وثّقنا ذلك مفصّلاً فيما مضى، إذا عرف القرّاء دعونا نصغي معاً إلى رواية جاءت في البحار نقلاً عن كتاب كفاية الأثر والّلافت إنّ راويها المباشر هو هشام بن سالم نفسه حيث كان جالساً عند الإمام الصّادق “ع” كما في الرّواية إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين… والرّواية طويلة ولكن ما يهمّنا منها ما يلي: «… ثم قال “ع”: إنّ أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الربّ والإقرار له بالعبودية… وبعده معرفة الرسول “ص”… وبعده معرفة الإمام الذي به يأتمّ…ويعلم أنّ الإمام بعد رسول الله “ص” علي بن أبي طالب، وبعده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم أنا، ثمّ بعدي موسى ابني، وبعده علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجّة من ولد الحسن… ثم قال: يا معاوية جعلت لك أصلاً في هذا فأعمل عليه…» [بحار الأنوار: ج36، ص406، كفاية الأثر: ص370].
#ومن حقّ الباحث أن يسأل ويقول: إذا كان هشام بن سالم قد سمع هذا الكلام من نفس الإمام الصّادق “ع” بهذا الوضوح والصّراحة وكان بجنبه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين [أخو زرارة] فلماذا ظلّ يبكي في أزقّة المدينة بسبب حيرته وعدم معرفته شخص الإمام بعد رحيل الصّادق “ع”، ولماذا تفرّقت الشّيعة حينذاك فرقاً كثيرة واستمرّ هذا الأمر عقوداً بعد ذلك؟!
#كلّ هذا يكشف عن إنّ هذه النّصوص وأمثالها قد وظّفتها الماكنة الكلاميّة الشّيعيّة الرّسميّة لما نصطلح عليه بالأدلّة بعد الوقوع، خصوصاً إذا قرأنا سياقات تأليف هذه الكتاب وغيره والواقعة في إطار المنافحة مع الاتّجاه الكلامي المعتزلي الرّافض والمنكر لفكرة النّص في موضوع الإمامة كما يظهر ذلك لمن يراجع كتب الكلام المؤلّفة في القرن الرّابع الهجري وما بعدها، أجل؛ لم يكن أصل الإمامة الشّيعيّة المتداولة حالياً واضحاً وجليّاً بين خيرة أصحاب الأئمّة “ع” فضلاً عن دوائره البحثيّة المتداخلة… ما أتمنّاه على القارئ الّلبيب أن يفكّر في هذه الإثارات بعمق ودقّة كثيراً؛ وأتمنّى أن يصل من خلالها إلى نتيجة بحثيّة تخفّف عليه من وقع البحوث الّلاحقة، والله الهادي إلى سبيل الصّواب.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...