بين شهامة الشقاوات وفقاهة الفقهاء

27 أكتوبر 2016
1330

يُروى: إن عدّة من (فقهاء) الكوفة كتبوا رسالةً إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)؛ حاولوا فيها الوشاية والنيل من أحد أصحابه وهو: (المفضّل بن عمر)، وكانت التهمة التي وجّهت إليه هي تهمة متكرّرة في كلّ زمان ومكان، شمّاعة يوظّفها كثيرون ممّن الذين تركوا التمسّك بتلابيب الدين بصيغة فاعلة، وركنوا للقشور التي لا تمتّ إلى لبّه بصلة…، فكتبوا للصادق (ع) قائلين: إن المفضّل يجالس الشطّار [الشقاوات]، وأصحاب الحمام [المطيرجيّة]، وقوماً يشربون الشراب [المكبسلجيّة]، فعليك يا مولانا أن تأمره بترك مجالستهم، وتدعوه للابتعاد عنهم؛ فمثل هذه الأمور لا تتناسب مع السمت الحوزوي والوقار الآخوندي، وعلى طالب الحوزة أن يتبعد عن أصناف المجتمع، ويجهد نفسه في التبتّل والتنسّك والعبادة والانزواء في بيته فقط كما هو فهم شريحة من المتزمتين.
وحينما وصل الكتاب إلى الصادق (ع)، كتب رسالةً إلى المفضّل بن عمر، وختمها، ودفعها إليهم، وطلب منهم أن يسلّموها إلى المفضّل وجهاً لوجه؛ ليطّلع عليها ويمتثل.
فجاء (الفقهاء) من أصحاب الإمام الصادق (ع) بالرسالة إلى بيت المفضّل، وهم فرحون مستبشرون؛ ومنهم زرارة بن أعين، وعبد الله بن بكير، ومحمد بن مسلم، وأبو بصير، وحجر بن زائدة، فدفعوا الكتاب إلى المفضّل بن عمر، [وربّما] من دون أن يُظهروا له أسباب هذه الرسالة، والسبب الذي برّر كتابتها، وكأنهم أبرياء من جميع ما جاء فيها، وأرادوا أن يفاجئوا المفضّل مثلاً، فما كان على المفضّل إلّا أن قام بفتحها أمامهم، وقرأها بمحضرهم، وإذا فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، اشتر كذا وكذا، واشتر كذا وكذا»، ولم يذكر الإمام (ع) فيها قليلاً ولا كثيراً من الوشاية التي أخبروه عنها!!
فهنا بادرهم المفضّل بالقول: الإمام يطلب منّا شراء هذه الأمور، ماذا تقولون؟!
فقال هؤلاء (الفقهاء): هذا مالٌ عظيم، لا بدّ من الانتظار؛ كي نجمّعه ونشتري ما يريده (ع)؛ لنبعثه له، وهمّوا بالخروج من منزله بعد ذلك.
فقال لهم لا تخرجوا حتّى تتغدّوا عندي؛ فأخّرهم للغداء، وبعث إلى الشقاوات والمطيرجيّة والمكبسلجيّة الذين سعوا هؤلاء الفقهاء أن يذمّوا المفضّل لصحبتهم والاهتمام بهم، فحضروا عنده إلى البيت، فقرأ عليهم رسالة الإمام (ع) وخرجوا بعد ذلك، وما أن مرّت سويعة حتّى رجع هؤلاء الشطّار وأصحاب الحمام وسفلة السوق إلى بيت المفضّل، وكلّ واحد منهم حمل على قدر قوّته ألفاً وألفين وأقلّ وأكثر؛ فسلّموها للمفضّل لكي يشتري ما طلبه الإمام (ع) منه…!!
وهنا خاطب المفضّل الفقهاء الذين وشوا به قائلاً لهم: تأمروني أن أطرد هؤلاء من عندي؟! تظنّون إن الله يحتاج إلى صلاتكم وصومكم؟!
أقول: مع إغماض الطرف عن الفهم الذي طرحه بعض الرجاليين لهذه القصّة، لكنها ذات دلالات واقعيّة وعمليّة ويوميّة أيضاً؛ فالصلاة والصيام والتنسّك ليست مقياساً دائميّاً يصلح تمريره والاتّكاء عليه في كلّ جوانب الحياة؛ فربّما نجد (بعض) أبناء الحشد الشعبي غير ملتزمين بالتنسّك والتعبّد الظاهريّ، ولكنهم يحملون شهامة وغيرة ونجابة دعتهم للدفاع عن أوطانهم وأعراضهم ومقدّساتهم بالغالي والنفيس، في حين نجد إن بعض من يتحدّث باسم الفقاهة لا زال يفتّش عن وجود إطلاق في الروايات الآمرة بالتقيّة؛ ليجعله شمّاعة يتمسّك بها لتبرير عدم إقدامه ومخافته على ذاته وذاتيّاته.
لا نريد بذلك أن نسوّق لهذه الظواهر المغلوطة والمذمومة في مجتمعاتنا، بل نتطلّع أن يكون جميع المجتمع المسلم منضبطاً في السلوك والأخلاق، ولكن ما نتمنّاه على رجال الدين هو: الاقتراب من هذه الطبقات المجتمعيّة مهما كانت سلوكيّاتها، بغية التأثير عليها، والاستفادة من لياقاتها وقابليّاتها، وعدم استغلال طيبتها وفطارتها، وهذا ما دعانا الإمام (ع) إليه، لا كما فهمه بعض المحقّقين.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...