بين تجفيف منابع الخرافة وتمويلها!!

6 أبريل 2017
639
ميثاق العسر

#اشتهر المرحوم فخر الدّين الطّريحي “979ـ 1085هـ” شهرة كبيرة في الأوساط الفقهيّة الشّيعيّة في القرون الأخيرة؛ وسبب ذلك يعود إلى كتابه الشّهير «مجمع البحرين» والّذي كان الهدف الأساس من تأليفه: شرح المفردات الّلغويّة في ضوء النّصوص الرّوائيّة، وهو أمر تحفّظنا على علميّته وموضوعيّته في سلسلة #الخمس_الشّيعي ، وقلنا: إنّ ما قدّمه الطّريحي من تفسير لبعض […]


#اشتهر المرحوم فخر الدّين الطّريحي “979ـ 1085هـ” شهرة كبيرة في الأوساط الفقهيّة الشّيعيّة في القرون الأخيرة؛ وسبب ذلك يعود إلى كتابه الشّهير «مجمع البحرين» والّذي كان الهدف الأساس من تأليفه: شرح المفردات الّلغويّة في ضوء النّصوص الرّوائيّة، وهو أمر تحفّظنا على علميّته وموضوعيّته في سلسلة #الخمس_الشّيعي ، وقلنا: إنّ ما قدّمه الطّريحي من تفسير لبعض المفردات يمثّل إسقاطاً للنّظرة الشّيعيّة المتداولة في عصره على الآيات والرّوايات ولا يمكن الاعتماد عليه كمرجعيّة لغويّة محايدة.
#كما اشتهر الطّريحي في الأوساط المنبريّة الشّيعيّة أيضاً من خلال تأليفه الكتاب الكشكولي: «المنتخب في المراثي والخطب»، وقد شاعت وركزت وتعمّقت مروّيات هذا الكتاب بين عموم الشّيعة إلى هذا اليوم، رغم إنّ جلّها ذُكرت بلا سند، وبعضها ممّا يحكم العقل البسيط بكذبها وبطلانها وأسطوريّتها، كما نصّ على ذلك جملة من كبار العلماء المحدّثين، ومن أبرزها إنّ الحسين “ع” قد قتل في يوم العاشر عشرة آلاف فارساً !! [ص451 طبعة الأعلمي].
#لكنّ الشّيخ محمد السّند “حفظه الله” وفي سياق منهجه الولائيّ المتعارف شنّ حملة شعواء ذات مفردات خشنة جدّاً على من يريد التّحفّظ على هذا الكتاب أو يطرح أسئلة مُقلقة تجاهه، وقد دلّل على مدّعاه الرّامي إلى رفع قيمة مرويّات هذا الكتاب ببيان: إنّ الطّريحي كان فقيهاً رجاليّاً نيقداً خبيراً، وبالتّالي فليس من الصّحيح ـ كما يرى السّند ـ أن نعرض عن هذا الكتاب أو نحذّر منه لمجرّد كونه رواياته غير مسندة ولا تنسجم مع عقول بعضنا؛ فإنّ المصادر الّتي كانت في متناول يده في القرن العاشر لم تصل إلينا، وبهذا يؤسّس سماحته إلى منهج لا يقبله ولا يرتضيه حتّى نفس الطّريحي لمن قرأ وخبر كتابه جامع المقال، ولن يخلّف لنا هذا المنهج سوى تكريس متعمّد للخرافة والغلو في أوساطنا الشّيعيّة، ومن هنا تعرف اهتمام بعض الملالي والخطباء ببياناته وإفاداته.
#ولكي لا أدخل في نقاش جزئي غير نافع مع سماحة الشّيخ السّند “حفظه الله” سأترك المجال لعلمين من كبار المحدّثين في القرون الأخيرة ليجيبوا على كلام سماحته، وهما المحدّث النّوري صاحب مستدرك الوسائل والمحدّث القمّي صاحب مفاتيح الجّنان، أمّا المحدّث النّوري فقد ذهب صوب جوهر الفكرة الّتي اعتمدها السّند في بيانه كما أسلفنا؛ حيث ناقش الطّريحي فيما نقله من موهونات ومنها قصّة زواج القاسم، الخرافة الّتي لا زلنا إلى هذا اليوم ندفع ثمنها في ليلة الثّامن من محرّم وعرّض بمن يريد تسويق أمثال هذه الأخبار قائلاً:
«… [إنّ] الكلام يتمحور حول الأخبار الموهونة والكتب غير المعتمدة ممّا كان موجوداً تحت نظر كبار علمائنا السّابقين ومع ذلك لم يعتنوا بها ولم يرجعوا إليها حتّى أمثال العلّامة المجلسي ومحدّثي عصره ومن كان قبله ومن جاء بعدهم؛ لا أنّهم لم يطّلعوا عليها ولم يقفوا على الكتب الّتي جاءت فيها. وعليه: فإنّ قصّة زعفر الجّني وعرس القاسم ممّا لم يخف على أنظارهم ومع ذلك لم ينقلوها في كتبهم، وكلا هاتين القصّتين موجودتان في روضة الكاشفي، والثّانية موجودة في منتخب الشّيخ الطّريحي المشتمل على #الموهونات مثل دفن الأعداء لعبد العظيم الحسني في الريّ حيّاً، وعلى غير الموهون أيضاً ممّا ينقله العلّامة المجلسي في بحاره أحياناً بهذه العبارة: “رأيت في مؤلفات بعض الأصحاب”، ويعرض عمّا هو موهون منها، ومن جملتها: “عرس القاسم” الّتي لم تُر قبل كتاب روضة الكاشفي في كتاب آخر من عصر الشّيخ المفيد حتّى ذلك العصر، والّذي بحمد الله توجد مؤلّفات أخبارهم في كلّ طبقة ومع هذا ليس فيه أيّ ذكر لهذه القصّة، فكيف يمكن أن تكون قضيّة بهذه العظمة والجلّاء والوضوح والضبط ومع هذا لم تصل إلى تلك الجّماعة وعن مثل ابن شهر آشوب الّذي صرّح أنّه كان لديه ألف مجلّد من كتب المناقب، وعلاوة على ذلك فإنّه وبحسب جميع الكتب المعتمدة السّالفة والمؤلّفة في فنّ الحديث والأنساب والسّير لا يمكننا أن نجد بنتاً للإمام الحسين “ع” قد بلغت سنّ الّزواج ولم تكن قد تزوّجت بعد لكي نوفّر لهذه القصّة إمكاناً وقوعيّاً بغضّ الطّرف عن صحّة الرّواية وسقمها» [ص288 الّلؤلؤ والمرجان النّسخة الفارسيّة].
#أمّا المحدّث القمّي فقد نشرنا له في مقال سابق تحفّظه الشّديد على حديث الكساء بصيغته المتداولة والمعروفة لا على أصله، ونصّ على إنّ هذا الحديث «لم يرد بهذه الصيغة في الكتب المعتبرة المعروفة، ولا في الأصول الحديثيّة والمجامع المتقنة للمحدّثين، ويمكن أن يقال إنّه من مختصّات كتاب المنتخب للطريحي». وقال في محلّ آخر مناقشاً قصّة ضرب زينب “ع” رأسها بالمحمل الّتي لا زلنا إلى الّلحظة ندفع ثمنها أيضاً: «إنّ ذكر المحامل والهودج لا وجود له في غير خبر مسلم الجّصاص، وهذا الخبر وإن نقله العلامة المجلسي لكن مستنده هو كتاب منتخب الطريحي وكتاب نور العين، ولا يخفى على أهل الخبرة والفن في علم الحديث حال الكتابين المذكورين». [منتهى الآمال النسخة الفارسيّة: ج1، ص708؛ 939].
#وأخيراً: أتمنّى على سماحة الشّيخ السّند أن لا يتّهم المحدّث النّوري والقمّي أيضاً بكونهم جهلة في فنّ علم الحديث أيضاً؛ فإنّ هذا الأمر لا أظنّه سوى مجازفة لا تصدر من طالب حوزة عادي فضلاً عن سماحته “حفظه الله”، وأتمنّى أيضاً: أن نتبعد عن لغة الخطابيّات والاتّهامات ونحن نمارس مهمّة شريفة وهي تعليم الطّلاب علوم آل محمد “ع” وفي صحن أمير المؤمنين “ع” أيضاً.‏


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...