بين الرّسول الحقيقي ورسول التّمنيّات

14 فبراير 2021
120
ميثاق العسر

روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ”، بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن عائشة أنّها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله “ص” فقالوا: السّام عليك، ففهِمتها فقلت: عليكم السّام [الموت] والّلعنة، فقال رسول الله “ص”: “مهلاً يا عائشة؛ فإنّ الله يحب الرّفق في الأمر كلّه، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله […]


روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ”، بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن عائشة أنّها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله “ص” فقالوا: السّام عليك، ففهِمتها فقلت: عليكم السّام [الموت] والّلعنة، فقال رسول الله “ص”: “مهلاً يا عائشة؛ فإنّ الله يحب الرّفق في الأمر كلّه، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله “ص”: “فقد قلت: وعليكم”». [صحيح البخاري: ج8، ص158، ط دار التّأصيل].

وهذا معناه أنّ الرّسول تعامل بالمثل معهم، وردّها بالطّريقة نفسها عليهم، وهذا ما علّم به أصحابه أيضاً في ردّ سلام اليهود ومن يضاهيهم من أهل الكتاب لاحتقارهم وازدرائهم، وهذا الإجراء لا يقتصر على حالة سلامهم بهذه الطّريقة المعيبة فحسب، وإنّما يشمل حالة ما لو سلّموا بصيغة السّلام العاديّة أيضاً؛ فإنّ الردّ عليهم ينبغي أن يقتصر على مفردة: “عليكم” لا غير، بل طلب الرّسول من أصحابه عدم ابتداء معتنقي باقي الأديان بالسّلام أصلاً، وعلى ضوء هذه التّعليمات والإرشادات النّبويّة أفتى جمهور المذاهب الإسلاميّة على اختلاف أطيافهم وفرقهم ومذاهبهم. [راجع على سبيل المثال: صحيح مسلم: ج5، ص531ـ 533، ط دار التّأصيل؛ فتح الباري: ج19، ص88، تحقيق: الأرنؤوط].

والّذي يبرهن على ردّ الرّسول عليهم بالمثل هو الرّواية بصيغتها الّتي رواها الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن زرارة بن أعين، عن الباقر، حيث جاء فيها بعد اعتراض الرّسول على عائشة قولها: «يا رسول الله، أ ما سمعت إلى قولهم: السّام عليكم؟! فقال: بلى، أ ما سمعتِ ما رددت عليهم، قلت: “عليكم”، فإذا سلّم عليكم مسلم فقولوا: سلام عليكم، وإذا سلّم عليكم كافر فقولوا: عليك» [ج2، ص648]، وهذه الرّواية بمعزل عن الإضافات والزّيادات الّتي أوردت فيها نصّ في المقام لا يقبل التّأويل.

نعم؛ الّذي ألجأ الرّسول إلى التّعامل بهذه الطّريقة مع عائشة ودعوتها إلى ترك توظيف المفردات الفاحشة في ردّها إنّما هو رغبته في عدم تعوّد لسان زوجته على الفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السبّ، ولا يعود إلى تساميه عن الردّ بالمثل كما يفهم الورديّون والمثاليّون. [لإيضاحات أكثر راجع: فتح الباري، مصدر سابق: ص90].

ورغم كلّ هذه الحقائق الواضحة لكنّا نجدّ: أنّ بعض المنابر حينما تُريد تسويق هذه الواقعة انسياقاً مع ما في ذهنها وذهن سواد النّاس من صورة نمطيّة ورديّة غارقة في المثاليّة عن الرّسول، تبادر لتقديمها وكأنّها نوع من الترفّع الأخلاقي، فتقتصر في عرضها على ردّ الرّسول لعائشة بهذه الطّريقة، ومخاطبتها بضرورة الابتعاد عن الفحش، فتتعالى الأصوات بعد ذلك صادحة بالصّلوات، ويعقبها تذكير بالآية المعروفة: وإنّك لعلى خلق عظيم!! من غير أن تعلم ـ هي وجماهيرها أيضاً ـ أنّ في الرّواية ذيلاً مهمّاً جدّاً، وهو يقع في سياق التّوجيهات النّبويّة الصّارمة للتّعامل مع معتنقي باقي الأديان باحتقار وازدراء، وقد رتّب معظم صحابة الرّسول والأئمّة سيرتهم ونصوصهم على وفقها، وقامت فتاوى جمهور علماء الإسلام بمختلف أطيافهم عليها.

اعتقد أنّ الأزمة الكبيرة للمتديّنين المعاصرين هي هذا الّلون من التّعاطي المخلّ علميّاً، والّذي لا يربّي سوى نسخاً بشريّة جوفاء لا تصدّق سوى ما ينسجم مع الصّورة المثاليّة والورديّة الّتي رسمتها في ذهنها عن الدّين والمذهب والرّسول والإمام وتمنّياتها ورغباتها حول ذلك، مع أنّ من يبحث عن الحقيقة عليه أن يذهب صوبها كما هي لا كما يريد ويتمنّى ويرغب؛ وبالتّالي: عليه أن ينقل الحادثة وما رافقها من توصيات وأحكام فقهيّة ملزمة، وعلى النّاس أن تميّز حينذاك، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.

ميثاق_العسر

https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3548649165257382


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...