بين الحمارة والسيّارة

3 أكتوبر 2016
1085
ميثاق العسر

كان المرحومُ السيّدُ أبو الحسن الأصفهانيّ يحرصُ تمامَ الحرصِ على تلبيةِ رغبةِ الناسِ في رؤيتهِ والتواصلِ معهُ رغمَ مشاغلهِ الكثيرةِ؛ وحينما طلبَ منهُ بعضُ الأصدقاءِ الكفَّ عن ذلكَ رعايةً لصحّتهِ وسلامتهِ، امتنعَ عن ذلكَ وقالَ: “إنّ عدداً كبيراً من زائري العتباتِ المقدّسةِ يحسبُ زيارتهُ للعتباتِ ناقصةً غيرَ مقبولةٍ عندَ اللهِ إذا لم يستطعْ أن يراني، […]


كان المرحومُ السيّدُ أبو الحسن الأصفهانيّ يحرصُ تمامَ الحرصِ على تلبيةِ رغبةِ الناسِ في رؤيتهِ والتواصلِ معهُ رغمَ مشاغلهِ الكثيرةِ؛ وحينما طلبَ منهُ بعضُ الأصدقاءِ الكفَّ عن ذلكَ رعايةً لصحّتهِ وسلامتهِ، امتنعَ عن ذلكَ وقالَ: “إنّ عدداً كبيراً من زائري العتباتِ المقدّسةِ يحسبُ زيارتهُ للعتباتِ ناقصةً غيرَ مقبولةٍ عندَ اللهِ إذا لم يستطعْ أن يراني، ويأتمَّ بي في صلاتهِ، وإنّ إدخالَ السرورِ والإيمانِ على قلوبِ أمثالِ هؤلاءِ البسطاءِ السُّذّجِ من الناسِ أمرٌ قد يكونَ في مصافِّ العنايةِ بالصحّةِ ضرورةً…!!”.
“وحين ثَقُلَ كاهلهُ بالعملِ، وضاقَ بالناسِ، خصوصاً في أثناء خروجهِ إلى الصلاةِ، الذي كانَ يستغرقُ وصولهُ من البيتِ إلى الصحنِ الشريفِ نحو ساعةٍ وأكثرَ، على قربِ المسافةِ التي لا تتجاوزُ بضعَ دقائقٍ للشيوخِ والعجزةِ، جرّاءَ ذلكَ اتّخذَ “الحمارةَ” وسيلةً للانتقالِ من بيتهِ إلى صحنِ الإمامِ عليٍّ (ع)، وكان يحفُّ بهِ ويمشي في ركابِهِ عددٌ غفيرٌ من طلّابِ العلمِ ورجالِ الحاشيةِ، وفي ضمنِ أولئكَ بعضُ أصهارهِ، وأصهارُ أصهارهِ… وكانتْ حمارةُ السيّدِ من أشهرِ ما يُعرفُ في تاريخِ الحميرِ في النجفِ؛ فقد كانتْ حمارةً حساويّةً بيضاء، تعرفُ وقت الصلاةِ، وتعرفُ أين تقفُ في الطريقِ، والسيّد أبو الحسن فوقَ ظهرِها، وتعرفُ حينَ وصولها إلى باب الصحنِ أين هي من بابِ الصحنِ، كأنّها كانتْ تعلم بأنّ احترامَ الطقوسِ الدينيّةِ لا يجيزُ لها أن تخطو خطوةً من بابِ الصحنِ الشريفِ، وقد ودَّ الكثيرُ وتمنّى غيرُ واحدٍ لو كان سائساً لحمارةِ السيّدِ، ولربّما رووا عنها صفاتٍ عجيبةً مبالغةً في قيمتها، ولمّا ماتتْ هذه الحمارةُ اجتمعَ حولها الأطفالُ والنساءُ، وبدأوا يسحبونها بالحبالِ إلى خارجِ المدينةِ، وكلّما اجتازوا مسافةً انضمَّ إليها أبناءُ محلّاتٍ أخرى، وكانوا يهزجونَ:
#وداعة الله يا جحش والينا# هاي هيه لو بعد تلفينا”
أجل؛ ما دامَ طبقات مجتمعِنا الشيعيِّ بهذا المستوى من الوعيِ وفي أهمِّ مركزٍ دينيٍّ في بلدِنا العراق، فعلينا أن نقرأ الفاتحةَ على أيّ مشروعٍ إصلاحيّ ينبثقُ من داخلِ الحوزةِ العلميّةِ لتصحيحِ مرتكزاتِ هذه الظواهرِ الخاطئة؛ فبالأمس كانت لدى السيّد #حمارة، واليوم لديه #سيّارة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...