بين الإمام والأديب علاقة مذهبيّة!!

21 يناير 2019
235
ميثاق العسر

#روى ابن شهر آشوب في المناقب وغيره عن الأصمعي قوله: «كنت أطوف حول الكعبة ليلةً فإذا شابٌّ ظريف الشّمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلّق بأستار الكعبة ويقول: نامت العيون، وعلت النّجوم، وأنت الملك الحيّ القيّوم، غلّقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حُرّاسها، وبابك مفتوح للسّائلين، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الرّاحمين، ثمّ أنشأ يقول: #يا من […]


#روى ابن شهر آشوب في المناقب وغيره عن الأصمعي قوله: «كنت أطوف حول الكعبة ليلةً فإذا شابٌّ ظريف الشّمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلّق بأستار الكعبة ويقول: نامت العيون، وعلت النّجوم، وأنت الملك الحيّ القيّوم، غلّقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حُرّاسها، وبابك مفتوح للسّائلين، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الرّاحمين، ثمّ أنشأ يقول:
#يا من يُجيب دعا المضطرّ في الظّلم، يا كاشف الضُّرّ والبلوى مع السّقم
قد نام وفدك حول البيت فاطبة، وأنت وحدك يا قيّوم لم تنم
أدعوك ربِّ دعاء قد أمرت به، فأرحم بكائي بحقّ البيت والحرم
إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف، فمن يجود على العاصين بالنّعم
قال الأصمعي: فاقتفيته فإذا هو زين العابدين “ع”». [مناقب آل أبي طالب: ج4، ص150].
#وقد وردت إضافة لهذه الحكاية في بعض المصادر المتأخّرة مع أبيات شعريّة أخرى أيضاً، حيث جاء في تكملتها: «فكان يكرّر هذه الأبيات حتّى سقط على الأرض مغشيّاً عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فوضعت رأسه في حجري وبكيت لبكائه بكاءً شديداً شفقة عليه، فقطر من دموعي على وجهه فأفاق من غشيته وفتح عينه وقال: من الذي شغلني عن ذكر مولاي؟! فقلت: أنا الأصمعي يا سيدي، ما هذا البكاء، وما هذا الجزع، وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، أ ليس الله يقول : “إنّما يُريد الله ليُذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً”؟! قال: فاستوى جالساً وقال: يا أصمعي هيهات، إنّ الله تعالى خلق الجنّة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشيّاً، وخلق النّار لمن عصاه وإن كان ملكاً قرشيّاً، أما سمعت قوله تعالى: “فإذا نُفخ في الصّور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون”». [المستطرف: ج1، ص141].
#وهذه الحكاية كما أشار لذلك بعض المحقّقين من السُنّة والشّيعة غير واقعيّة أصلاً؛ وذلك لأنّ عليّ بن الحسين المعروف بزين العابدين أو السجّاد “ع” قد توفّي كما هو المشهور سنة: “95هـ”، والأصمعي ولد بعد ذلك بما ينيف أو يقرب من عشرين سنة، ومن هنا نجد إنّ ابن طاووس حاول تصحيح هذا الخطأ الفاحش، ونسب الرّواية إلى الحسين بن عليّ “ع” مع أبيه، وجعلها سبباً لنزول دعاء المشلول أيضاً، وإنّها جاءت عن جماعة يُسندون الحديث له “ع”… [مهج الدّعوات: ص151]، وبعضهم نسبها إلى الحسن بن عليّ “ع” مع أبيه أيضاً، وهكذا استحكمت هذه الحكايات والقصص لتنتقل إلى التّراث الرّوائي والتّفسيري للأسف الشّديد، دون وعيّ لمثل هذه الأخطاء الواضحة فيها.
#وفي الحقيقة إنّ هذا الّلون من القصص والحكايات وفير في التّراث الإسلاميّ عموماً والإثني عشريّ خصوصاً، لكنّ ما يميّزه في أوساطنا الإثني عشريّة هو تحوّله ـ ببركة التّلقين الكلامي والعرفاني والفلسفي والمذهبيّ الخاطئ ـ إلى ثقافة رائجة ومشهورة تسمح للمعنّيين ومقلّديهم: إنّهم كلّما رأوا دعاءً أو زيارةً أو روايةً ذات مضمون عالٍ حسب تعبيرهم وبصياغات ومفردات خاصّة لم يتردّدوا في نسبتها إلى الإمام من دون لحاظ السّند وطبقاته أصلاً، أو لحاظ انسجامها مع الواقع التّاريخيّ الصّحيح؛ وذلك لأنّهم رسموا في مخيّلتهم صورة نمطيّة سماويّة عن الإمام؛ فحسبوا إنّ كلّ مضمون ومفردات من هذا القبيل لا يمكن أن تصدر إلّا من الإمام، ولهذا رأينا بعض الأكابر قال في وصف الفقرة الأخيرة من دعاء عرفة والّتي هي للعارف ابن عطاء الله الاسكندراني في حقيقة الحال: إنّ غير المعصوم إذا ما أراد إنشاءها فسوف يرتعش ذقنه!!
#ولم يعلموا: إنّ إمامهم ـ وفقاً لهذا المنهج ـ سيكون الأصمعي والجاحظ وأبا العيناء والاسكندراني وابن طاووس… وجملة من الأدباء والعرفاء والرّواة والمحدّثين وأضرابهم؛ لأنّهم المسؤولون بالدّرجة الأولى عن وضع هذه النّصوص وإنشائها بقصد أو من دون قصد، لذا لا بديل عندنا عن دراسة الأسانيد وطبقاتها بشكل دقيق وعميق بعيداً عن الأحكام الرّجاليّة المذهبيّة في تقييم رواتها، ودراسة الواقع التّاريخيّ الصّحيح أيضاً والمنسجم مع الطّبيعة البشريّة، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...