بطلان صلاة آكل الثّوم وأسئلة العصمة المُقلقة!!

22 يونيو 2018
1259
ميثاق العسر

#في سياق المسارات الّتي تحدّثنا عنها في المقال السّابق حول عصمة الإمام “ع”، يحسن بنا بغية تقريب الفكرة إلى أذهان المتابعين على اختلاف طباقتهم أن نضرب مثالاً ظريفاً وبسيطاً في نفس الوقت؛ علّنا نستطيع بذلك أن نضرب عصافير متعدّدة بحجر واحد، ونفتح من خلاله كوّة صغيرة جدّاً في دهليز الظّلام المذهبيّ الّذي أوجدنا القدر فيه؛ […]


#في سياق المسارات الّتي تحدّثنا عنها في المقال السّابق حول عصمة الإمام “ع”، يحسن بنا بغية تقريب الفكرة إلى أذهان المتابعين على اختلاف طباقتهم أن نضرب مثالاً ظريفاً وبسيطاً في نفس الوقت؛ علّنا نستطيع بذلك أن نضرب عصافير متعدّدة بحجر واحد، ونفتح من خلاله كوّة صغيرة جدّاً في دهليز الظّلام المذهبيّ الّذي أوجدنا القدر فيه؛ على طريقة ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه، على إنّ المناقشة في المثال ليس من دأب المحصّلين كما يقولون.
#روى الكليني والصّدوق بإسنادهم الصّحيح أو الحسن عندهم عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم، عن الباقر “ع” قال: سألته عن أكل الثّوم؟ فقال: إنّما نهى رسول الله “ص” عنه لريحه فقال: “من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا، فأمّا من أكله ولم يأت المسجد فلا بأس». [الكافي: ج6، ص375؛ علل الشّرائع: ج2، ص 519، مع اختلاف يسير في بعض المفردات].
#ولا مشكلة في البين إلى هذا الحدّ، وإنّما تبدأ المشكلة حينما روى نفس هذه الرّواية شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتأخّر عنهما في كتابه الشّهير “تهذيب الأحكام”عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عُمر بن أذينة، عن محمّد بن مسلم… وأضاف لها ذيلاً لا وجود له في الرّواية كما وردت في الكافي والعلل؛ حيث نقل عن ابن أذينة نفسه بعد انتهاء فقراتها كما في نقل الكافي ما نصّه: «قال ابن أذينة فذكرت ذلك لزرارة فقال: حدّثني من أُصدِّق من أصحابنا قال: سألت أحدهما “ع” عن ذلك فقال: أعد كلّ صلاة صلّيتها ما دمت تأكله» [تهذيب الأحكام: ج9، ص96].
#وهنا يبدأ المسار الأوّل في التّوجيه؛ إذ لا يُعقل أن ينصّ الإمام المعصوم على بطلان صلاة آكل الثّوم وضرورة إعادتها كما يقولون، ولا بدّ من توجيه هذا الكلام ـ بعد فرضيّة صحّة صدوره ـ بنحو بحيث لا يأتي منها هذا المحذور ولا تُثلم العصمة وهي الأصل الكلاميّ الحاكم على طريقة التّفكير الإثني عشريّة أثناء قراءة النّصوص الرّوائيّة، ومن هنا بادر الطّوسي لذلك في سياق المهمّة الّتي أخذها على عاتقه في كتابه التّهذيب فقال: «قول زرارة إنّ بعض من يُصدّق روى له عن أحدهما “ع” أن يُعيد كلّ صلاة صّلاها منذ أكل منه ذلك محمول على التّغليظ، دون أن يكون ذلك مُفسداً للصّلاة حتّى تجب عليه إعادتها؛ لأنّا قد بيّنا في الرّوايات المتقدّمة أنّ هذه الأشياء إنّما كُره لرائحتها، وتأذّي النّاس بها، دون كونها محظورة…» [تهذيب الأحكام: ج9، ص96].
#وهنا نودّ أن نسجّل عدّة تعليقات عاجلة:
#الأوّل: لا شكّ في إنّ الحمل على الكراهة إنّما يُصار إليه عندهم في حالة موارد الأمر والنّهي أو النّهي والتّرخيص في خصوص الأحكام التّكليفيّة، أمّا الأحكام الوضعيّة كما في محلّ كلامنا فلا معنى له كما هو واضح؛ فمن الغريب أن ينصّ أحدهما “ع” على ضرورة إعادة صلاة المداوم على أكل الثّوم، ويأوّل الطّوسي ذلك بالكراهة، فهل الكراهة مرتبطة بأكل الثّوم وهو حكم تكليفي أم مرتبطة ببطلان الصّلاة وهو حكم وضعي؟!
#الثّاني: لا شكّ في إنّ الّذي حدا بشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي إلى ممارسة مثل هذا التّأويل هو ذلك الطّوق الكلاميّ الحاكم على ذهنه حين قراءة النّصوص وهو العصمة، ومن الواضح فإنّ افتراض عصمة المتحدّث توجب ضرورة الحفاظ على كلماته من أيّ نقص أو عدم انسجام يتراءى مع الصّورة النّمطيّة الكلاميّة والفقهيّة والأصوليّة المرسومة عنه، أمّا إذا رفعنا اليد عن هذا الطّوق أو موضعناه في دائرة ما أو رسمنا له حدوداً وضوابط خاصّة فلا نضطر حينذاك إلى ممارسة مثل هذا التّأويل التّعسّفيّ.
#الثّالث: لم نعرف السّبب الّذي حدا بالكليني والصّدوق إلى عدم ادراج هذا الذّيل في روايتهم وإن كنّا نجزم إنّ الصّدوق أخذ الرّواية من الكافي ووضع لها طريقاً من عنده يتّحد في النّهاية مع طريق الكليني كما هو ديدنه، ولماذا أقدم الطّوسي على ادراجه؟! فهل يعود ذلك إلى عدم تعقّلهم له فأهملوه كما احتمل ذلك بعض المحقّقين، أم إنّ الرّواية بطريقهما خلت منه وعثر عليه الطّوسي في كتاب الحسين بن سعيد مثلاً، أم إنّ الإرسال الّذي كان في الذّيل حال دون روايتهما له كما افترضه بعضهم؟! ربّما يكون الاحتمال الأوّل أكثر معقوليّة وكم له من نظير.
#وكيف ما كان فإنّ جميع هذه الأمور وغيرها الكثير أيضاً تؤكّد على إنّ التّراث الرّوائي الإثني عشريّ الواصل بين أيدينا لم يكن خالياً من الإسقاطات الآيدلوجيّة والمذهبيّة للمصنّفين، وبالتّالي فإنّ أمام الباحث الموضوعيّ مهمّة شاقّة جدّاً في فرز الصّحيح من غير الصّحيح، وإنّ الانسياق وراء الأخباريّين الجُدد من دعوى إعادة الحياة إلى منهج القدماء في التّعامل مع الموروث الرّوائي يعني إسدال السّتار على شيء اسمه الله في هذا الوجود، وتسليم مفاتيح الكون إلى النّبيّ “ص” وفاطمة والأئمّة “ع” المعروفين عند الطّائفة الإثني عشريّة حصراً، لكن من حسن الطّالع أو سوءه إنّهم وزّعوا مفاتيح محدودة على بعض المراجع والوعّاظ؛ فمن أراد الله بدأ بهم؛ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...