بدعة جمع القرآن!!

19 يناير 2020
72
ميثاق العسر

#بلى؛ لم يكن تدوين النّصوص الوحيانيّة النّازلة على النّبي “ص” أو الصّادرة منه وتحويلها بمجموعها من ظاهرة صوتية نزلت لأسباب عديدة وخاصّة ومتفرّقة على مدى سنوات البعثة الّتي نيّفت على العشرين إلى نصوص كتابيّة ما بين دفّتين ولوحتين، أقول لم يكن هذا الأمر سوى بدعة مُحدثة من عمر بن الخطّاب لم يقم بها النّبيّ “ص” […]


#بلى؛ لم يكن تدوين النّصوص الوحيانيّة النّازلة على النّبي “ص” أو الصّادرة منه وتحويلها بمجموعها من ظاهرة صوتية نزلت لأسباب عديدة وخاصّة ومتفرّقة على مدى سنوات البعثة الّتي نيّفت على العشرين إلى نصوص كتابيّة ما بين دفّتين ولوحتين، أقول لم يكن هذا الأمر سوى بدعة مُحدثة من عمر بن الخطّاب لم يقم بها النّبيّ “ص” نفسه، وهذا الأمر لا نقوله شططاً وجزافاً وهوايةً وغوايةً، بل قرّره بوضوح خليفة المسلمين الأوّل والصّحابيّ المقرّب جدّاً من الرّسول “ص” أعني أبا بكر، وأكّده أيضاً: الصّحابيّ الشّابّ الّذي أوكلت إليه مهمّة تدوين القرآن زيد بن ثابت والّذي كان جمعه المادّة الأوليّة للمصحف المتداول بين أيدينا حسب الفرض.
#أمّا بيان ذلك: فقد ورد في صحاح المسلمين ـ كما كشفنا عن ذلك مفصّلاً في دراسات سابقة ـ أنّ عمر بن الخطّاب كان قد شعر بخطورة كبيرة على النصّ القرآنيّ المتناثر بعد أن استحرّ القتل بقرّاء القرآن في ما يُسمّى بحروب الردّة الّتي حصلت بعد وفاة رسول الله “ص”، ولهذا قدّم اقتراحاً وتوصيةً ملزمةً للخليفة أبي بكر طالباً منه جمع القرآن، لكنّ أبا بكر لم يقبل منه ذلك وتردّد كثيراً فيها قائلاً له: «كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله “ص”؟!»، لكنّ عمر أخذ يراجعه وينقّح له ضرورته حتّى أقنعه بذلك كما هو صريح كلام أبي بكر حين نقله للحادثة، حيث قال: «فلم يزل عمر يراجعني فيه حتّى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الّذي رأى عمر».
#ووصف جمع القرآن بالبدعة المحدثة لم يقتصر على أبي بكر فقط؛ بل كان للصّحابيّ الشّاب الّذي كُلّف من قبلهما بجمع القرآن الرّأي نفسه، حيث قال لهما بعد أن طلبا منه ذلك: «كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النّبي “ص”؟!»، لكنّ أبا بكر أقنعه أيضاً بهذه المهمّة وضرورتها وأهمّيتها، وبتعبير زيد: «فلم أزل أراجعه حتّى شرح الله صدري للّذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر». [صحيح البخاري: ج6، ص71، ص183؛ ج9، ص74، دار طوق النّجاة].
#وهنا نسأل: إذا كانت مسألة جمع القرآن ما بين دفّتين مسألة متداولة ومعروفة ومعمول بها ومنشورة ومشتهرة في حياة رسول الله “ص” كما قد يتوهّم بعضهم فما بال أبي بكر يعرض عنها ويصفها بالأمر المُحدث المبتدع الّذي لم يقم به الرّسول نفسه، ولا يُريد أن يقوم بمثلها أصلاً؟!
#وإذا كان زيد بن ثابت الّذي نقل بنفسه كتابته لبعض النّصوص القرآنيّة في حياة النّبيّ “ص” يتمنّع عن ذلك ويصفه بالأمر المُحدث المبتدع الّذي لم يقم رسول الله به، فكيف نُريد أن نفهم من خلال نصوصه الّتي نقلها في كتابته للقرآن في أيّام الرّسول أنّ القرآن كان مجموعاً في حياته “ص” كما توهّمه بعضهم أيضاً؟! وكيف يكون ذلك وزيد نفسه ينقل إنّه قام بتتبّع القرآن من خلال مراجعة الرّقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال الأمر الّذي يؤكّد بوضوح أنّ كتابته لم تكن تتعدّى آيات قليلة جدّاً ولأغراض آنيّة محدّدة فقط، ولو لم يكن الأمر كذلك لما اعترض على أبي بكر وعمر ببدعيّة هذا الأمر حتّى أقنعاه بضرورته.
#أجل؛ ولا تقف الأسئلة على هذا الحدّ فقط، بل تتولّد أسئلة جادّة وعميقة أخرى أمام جميع الآيات القرآنيّة المُستدلّ بها على أنّ السّماء كانت تهدف إلى تحويل القرآن من ظاهرة صوتيّة إلى ظاهرة مكتوبة ومن ثمّ تحويله إلى دستور دينيّ دائميّ لعموم الدّنيا حتّى نهايتها؛ إذ إنّ عموم الصّحابة المقرّبين في ذلك الوقت لم يفهموا من الآيات ذلك، وكان بإمكان أبي بكر وزيد بن ثابت أن يقولا لعمر بن الخطّاب: أنّ القرآن قد تعهّد الله بحفظه من خلال قوله: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون»، فلا حاجة للقلق والخوف من جنابك على كتاب الله وتغييره وتحريفه أصلاً، ولما بادر الخليفة عثمان بن عفّان إلى إحراق جميع المصاحف الّتي كانت عند الصّحابة ليفرض مصحفاً رسميّاً واحداً، كلّ هذا وغيره الكثير ممّا سيأتي يوضّح بجلاء: إنّ فهم هذه الآيات بالنّحو الّذي يصبّ في تصحيح نسخة القرآن المتداولة وادّعاء أنّ هناك عناية سماويّة بالغة في تدوينها وحفظها ما هو إلّا محاولات بعديّة من ضيق الخناق، ولا تصمد أمام البحث العلمي الجادّ وأدواته.
#وقد شعر علماء المسلمين على اختلاف توجّهاتهم ببدعيّة اقتراح عمر بن الخطّاب وحاولوا جاهدين تأويلها وتبريرها وتقديم تفسيرات لها، فهذا ابن بطّال المتوفّى سنة: “449هـ” يقرّرها قائلاً: «فإن قال قائل: ما وجه نفور أبى بكر وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن؟ فالجواب: أنهما لم يجدا رسول الله “ص” قد بلغ فى جمعه إلى هذا الحدّ من الاحتياط من تجليده، وجمعه بين لوحين، فكرها أن يجمعاه جزعًا من أن يحلا أنفسهما محل من يجاوز احتياطه للدّين احتياط رسول الله “ص”، فلما أنبههما عمر، وقال: هو والله خير، وخوّفهما من تغيّر حال القرآن فى المستقبل؛ لقلة حفظته، ومصيره إلى حالة الخفاء والغموض بعد الاستفاضة والظهور، علما صواب ما أشار به وأنّه خير، وأنّ فعل رسول الله “ص” ليس على الوجوب، ولا تركه لما تركه على الوجوب إلّا أن يكون قد بين فى شريعته أنّ مثل فعله لما فعله، أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا وواجب علينا، فلما علما أنّه لم يُحظر جمع القرآن ولا مُنع منه بسُنّةٍ ولا بنصّ آيةٍ، ولا هو مما يُفسده العقل ويحيله، ولا يقتضي فساد شىء من أمر الدّين، ولا مخالفة رأى صواب ما أشار به عمر، وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة فى رجوعهم إلى رأى أبى بكر فى قتاله أهل الردّة، ورأوا ذلك صوابًا لم يشكوا فيه…». [شرح صحيح البخاري لإبن بطّال: ج10، ص222، مكتبة الرّشد الرّياض].
#ورغم أنّ هذه الحلول ترقيعيّة تُريد تبرير صنيع الجهاز الحاكم في ذلك الوقت ومحاولة إضفاء شرعيّة له وهو أمر سنناقشه بالتّفصيل في القادم من البحوث، لكنّا نلاحظ: أنّ الحقيقة الّتي نشاهدها من خلال الأدلّة والبيانات والشّواهد الكثيرة تقرّر بوضوح: إنّ السّماء لم تكن مهتمّة ولا مكترثة بتحويل المادّة القرآنيّة الصّوتيّة إلى ظاهرة مكتوبة محرّرة ومقروءة ومن ثمّ جعلها دستوراً دينيّاً دائميّاً لجميع البلاد والأصقاع من لحظتها وحتّى نهاية الدّنيا؛ لأنّها تعلم كلّ العلم: إنّ جملة وافرة من هذه النّصوص كانت قد نزلت لأسباب آنيّة خاصّة لا يمكن منحها صفة إطلاقيّة المطُلق، وإنّ وضع جميع القرآن النّازل أو الصّادر في سلّة واحدة من دون منهج ولمسة سماويّة تميّز ما بين المطلق وغيره سيؤدّي إلى كوارث دينيّة كبرى لا تُحمد عقباها، ولو أغفلنا جميع ذلك وغضضنا الطّرف عنه فلا يمكن أن تغفل السّماء حقيقة أنّ عمليّة التحّويل نفسها ما دامت خالية من إشراف سماويّ للمطابقة ما بين المقروء والمكتوب ستحمل أخطاءً كتابيّة بطبيعة الحال ولا يمكن الاتّكاء على ألسنة العرب لتقويمها فكيف إذا عرفنا أنّ الخطّ في ذلك الحين كان خالياً من التّنقيط وبقيّة الحركات، فتفطّن كثيراً كثيراً لنزيدك إيضاحاً وتعميقاً في قادم البحوث، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...