الّلحظة الزّمانيّة لولادة الخطبة الفدكيّة!!

21 أغسطس 2018
1012
ميثاق العسر

#حينما يُريد الباحث المحايد أن يسجّل أوّل لحظة زمنيّة سُجّلت فيها ولادة أو ظهور الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء “ع” فلا يوجد أمامه سوى الّلحظة الّتي سُجلت في بغداد من قبل أحد أبناء عصر الأدب والتّسريّ والغناء وهو: أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المعروف بإبن طيفور البغدادي والمولود فيها عامّ: “204هـ” […]


#حينما يُريد الباحث المحايد أن يسجّل أوّل لحظة زمنيّة سُجّلت فيها ولادة أو ظهور الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للسيّدة فاطمة الزّهراء “ع” فلا يوجد أمامه سوى الّلحظة الّتي سُجلت في بغداد من قبل أحد أبناء عصر الأدب والتّسريّ والغناء وهو: أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المعروف بإبن طيفور البغدادي والمولود فيها عامّ: “204هـ” أي: في أوّل إمامة الجواد “ع”، والمتوفّى سنة: “280هـ” أي بعد عشرين عاماً من رحلة العسكريّ “ع”، ولم يكن لهذه الخطبة بصيغتها المعروفة والمتداولة أيّ عين ولا أثر في المرحلة الّتي سبقت ابن طيفور وأقرانه، وعلى هذا الأساس فلا يمكن الانتقال لرجال سند الخطبة ولا إلى مضمونها قبل أن نعرف القيمة العلميّة والرّجاليّة لابن طيفور نفسه، سواء في التّراث الرّجاليّ الشّيعيّ الإثني عشريّ أو في التّراث الرّجاليّ السُنّي أيضاً، ونعطف الحديث بعد ذلك لمعرفة السّياق الّذي طرحه ابن طيفور لكيفيّة الخطبة ونقلها؟!
#أمّا رجاليّو السُنّة فليس لابن طيفور قيمة علميّة أو دينيّة يمكن من خلالها الاحتجاج بنقولاته ورواياته عليهم أصلاً، ؛ فالرّجل أديب كغيره من الأدباء الّذين لا يُنظر لطبيعة مذهبهم ولا يُهتمّ برواياتهم في الأمور الفقهيّة والعقائديّة لكي يتفاخر بعض جهلتنا وبسطائنا إنّ الخطبة وردت في الكتب السُنيّة؛ وقد نقل ابن النّديم المتوفّى سنة: “385هـ” عن الشّاعر والأديب والفقيه الشّافعي أبي القاسم جعفر بن محمّد بن حمدان الموصلي المعاصر لابن طيفور والمتوفّى سنة: “323هـ” قوله: “كان أحمد بن أبي طاهر [ابن طيفور] مؤدّب كتّاب، عاميّاً، ثم تخصّص وجلس في سوق الورّاقين في الجانب الشرقي، ولم أر ممّن تشهّر بمثل ما تشهّر به من التّصنيف للكتب وقول الشعر: أكثر تصحيفاً منه، ولا أبلد علماً ولا ألحن، ولقد أنشدني شعراً [حيث إنّ ولادة أبي القاسم الموصلي سنة: “240هـ”] يعرضه عليّ في إسحاق بن أيوب لحن في بضعة عشر موضعاً منه، وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت، قال: وكذا قال لي البحتريّ [الشّاعر المعروف] فيه، وكان مع هذا جميل الأخلاق، ظريف المعاشرة… ومولده سنة: “204هـ” وقت دخول المأمون بغداد من خراسان، وتوفى سنة: “280هـ”»[الفهرست، ابن النّديم: ص209].
#أمّا معاصروه والّذين تلوه من الرّواة والمحدّثين والرّجاليّين الشّيعة الإثني عشريّة فلم يذكروه في كتبهم الرّجاليّة أصلاً، واكتفى النّجاشي بإشارة عابرة إلى كتابه تاريخ بغداد المصنّف في أخبار الخلفاء وأيّامهم في معرض ترجمته لعيسى بن روضة دون أن يذكر ترجمة أو تقييماً له أصلاً؛ وبالتّالي فالرّجل مهمل في أحسن الأحوال، ولا أدري كيف أصبحت منقولات مثل هذا الشّخص حجّة يمكن الرّكون إليها في قضيّة تعتبر أحد أساسات الخلاف السّني الإثنا عشريّ؟!
#أمّا كتاب “بلاغات النّساء وجواباتهنّ” الّتي وردت فيه الخطبة الفدكيّة ويتفاخر المذهبيّون بذلك فهو أحد أجزاء كتابه المسمّى بـ: “المنثور والمنظور”، والّذي يقع في أربعة عشر جزءاً كما أخبرنا ابن النّديم قائلاً: «وله من الكتب المصنّفة كتاب: “المنثور والمنظوم” أربعة عشر جزءاً، والّذى بيد الناس ثلاثة عشر جزءاً، كتاب: سرقات الشعراء؛ كتاب بغداد…» [المصدر السّابق نفسه]. وقد قام بنشر هذا الجزء الخاصّ السيّد أحمد الألفي في عام: “1908م” اعتماداً على مخطوط دار الكتب المصريّة.
وهنا نعطف الحديث نحو السّياق الّذي ذكره ابن طيفور قبل أن يبادر لنقل الخطبة لنكتشف من خلاله لحظة ولادتها حيث قال: «ذكرت لأبي الحسين: زيد بن عليّ [بن الحسين بن زيد بن عليّ] بن الحسين بن أبي طالب “ع” كلام فاطمة “ع” عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع، وأنّه من كلام أبي العيناء، الخبر منسوق البلاغة على الكلام، فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلّمونه أبناءهم، وقد حدّثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة “ع” على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء، وقد حدّث به الحسن بن علوان، عن عطية العوفي، أنّه سمع عبد الله بن الحسن [المثنّى] يذكره عن أبيه. ثمّ قال أبو الحسين: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكرونه، وهم يرون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة يتحقّقونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت ثمّ ذكر الحديث…» [بلاغات النّساء: ص23].
#ومن الواضح والجلي إنّ ابن طيفور يتحدّث عن ظاهرة معروفة ومتداولة في الأوساط البغداديّة آنذاك تتحدّث عن وضع هذه الخطبة، بل وتجزم بأنّ ابي العيناء وراء ذلك، ودفعاً لهذا المحذور بادر بالاستفسار من أحد الرّواة الزّيديّة الّذين لهم موقف إيجابيّ واضح من الخليفة أبي بكر وعمر ليستفسر عن صدق هذا المدّعى فأجابه بما ذكرناه، ونحن إذ نشكّك في أصل هذا السّؤال والإجابة من هذا الشّخص الزّيديّ أيضاً، ونرى إنّ توظيف هذا الرّجل كان لغرض إقناع زيديّة بغداد بالأمر كما سنوضّح ذلك في القادم من المقالات، ولكن قد تسأل ونحن معك: ما هو الدّليل الّذي يجعلكم تطمئنون بصدق ابن طيفور في حديثه عن وجود ظاهرة عامّة في الأجواء البغداديّة تُنكر نسبة مثل هذه الخطبة وتجزم بكونها من وضع ابي العيناء، فربّما يكون ابن طيفور كاذباً؟!
والجواب: هناك أسباب عدّة دعتنا إلى هذا الأمر، أبرزها ما يلي: فقد روى ابن عساكر المتوفّى سنة: “571هـ” في كتابه تاريخ مدينة دمشق بإسناده عن إسماعيل بن محمّد النّحوي يقول: «سمعت أبا العيناء يقول: أنا والجاحظ وضعنا “حديث فدك” وأدخلناه على الشّيوخ ببغداد، فقبلوه إلّا ابن شيبة العلوي [الزّيدي] فإنه قال: “لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله” فأبى أن يقبله، قال إسماعيل: “وكان أبو العيناء يحدّث بهذا بعد ما مات [الجاحظ] [أو تاب ابو العيناء كما في نسخة أخرى]» [تاريخ دمشق: ج45، ص441].
#سنتحدّث في قادم المقالات عن أبي العيناء، وعن ابن شيبة العلوي وعن حفيد زيد الشّهيد، لنبرهن على مدّعانا القائل بوضع هذه الخطبة وجزميّة عدم صدورها بنحو آكد؛ لكي نغلق الطّريق أمام أوهام الاستفاضة أو التّواتر الّتي يدّعيها المذهبيّون، فترقّب ولا تعجل، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير
#مرجعيّات_مجهول_المالك
#الإمامة_الإلهيّة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...