اليعقوبي، بوش، وزيارة الأربعين!!

23 أكتوبر 2018
923
ميثاق العسر

#في عام: “2005م” كان مرجع حزب الفضيلة الشّيخ محمّد اليعقوبي “حفظه الله” يرى ـ أثناء خطابه لجمع من طلبة جامعات بغداد ـ: إنّ هذه الحشود الهائلة الوافدة إلى زيارة الأربعين «وبهذه الشجاعة والتّضحية الجسيمة ستُجبر الأعداء قبل الأصدقاء على إعادة قراءة الخارطة السياسيّة والاجتماعيّة والديمغرافيّة والفكريّة للعراقيين»، وأضاف اليعقوبي بعدها معلومة طريفة في مقام الاستدلال […]


#في عام: “2005م” كان مرجع حزب الفضيلة الشّيخ محمّد اليعقوبي “حفظه الله” يرى ـ أثناء خطابه لجمع من طلبة جامعات بغداد ـ: إنّ هذه الحشود الهائلة الوافدة إلى زيارة الأربعين «وبهذه الشجاعة والتّضحية الجسيمة ستُجبر الأعداء قبل الأصدقاء على إعادة قراءة الخارطة السياسيّة والاجتماعيّة والديمغرافيّة والفكريّة للعراقيين»، وأضاف اليعقوبي بعدها معلومة طريفة في مقام الاستدلال على مدّعاه آنف الذّكر فقال: إنّ «أول من صدَقَ ظني عليه هو الرئيس الأمريكي بوش؛ فقد نقل أحد أخواننا المقيمين في واشنطن أنّ بوش تابع المشاركة المليونيّة والشعائر المهيبة التي أدّوها وهم يسيرون مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام إلى كربلاء، فأبدى إعجابه، وطلب من مستشاريه‏ تقديم تحقيق مفصّل عن هذه الشخصيّة التي استشهدت منذ ألف وأربعمائة عام، ولا زالت تحرّك ملايين البشر بهذا الحماس والعاطفة الجيّاشة [!!]». [خطاب المرحلة: ج4، ص33].
#وبعد سنة من هذا التّاريخ ـ أي في عام: “2006م” تحديداً ـ رسّخ اليعقوبيّ هذه الفكرة في عقول الشّباب ببيانات متعدّدة وخطابات كثيرة، منها: ما كان مع حشدٍ من طلّاب الجامعات والمعاهد العراقيّة الّذين جُلبوا إليه فقال أثناء محاضرته متساءلاً: «هل نجح المشروع الأمريكي في مسخ هويّة الأمّة وتذويب شخصيّتها؟ وهل نجح الإرهابيّون في إرعاب الشعب وإخافته ومنعه من إظهار ولائه لأهل بيت النبوة؟ وهل استطاعوا إبعاد الشباب عن دينهم وفصل العروة الوثقى بينهم وبين أئمتهم وقادتهم ومرجعيتهم؟»، فأجاب اليعقوبيّ قائلاً: «نجيب هؤلاء: انظروا إلى كربلاء يوم الأربعين وزحف الملايين الّتي زادت عن الثلاثة مشياً على الأقدام، وقطعَ بعضهم مئات الكيلومترات رغم المخاطر المحدقة لتعرفوا فشل الإرهابيين؛ وانظروا كيف أن أغلبهم من الشباب لتعرفوا فشل مشروع الغرب الإفسادي؛ ولاحظوا التّعبئة العامّة التي أعلنتها الأمة لإنجاح هذه الشعيرة المقدّسة وتقديم الخدمات وأسباب الرّاحة لهذه الملايين في كربلاء وعلى طول الطريق المؤدّية إليها لتعرفوا شدّة تمسّك الأمّة بالإسلام وولاية أهل البيت “ع”».[سيرة الأئمّة الإثني عشر: ص218].
#وبعد أن عبّأ الشّباب الجامعي نحو هذه الزّيارة وحثّهم وهم في مقتبل العمر نحوها بخطابات متكرّرة واجتماعات عدّة حملتها خطاباته المنشورة بعينها في كتب تحمل عناوين متعدّدة عاد لينتقد هذه الزّيارة بعد سنوات قليلة جدّاً، ففي عام: “2010م” مثلاً ومع حشد من طلبة بعض إعداديّات بغداد هاجم اليعقوبيّ زيارات الحسين بن عليّ “ع” قائلاً: لقد «تحوّل الكثير من المراسيم خصوصاً في زيارة الأربعين والشعبانيّة إلى ما يُشبه الفلكلور الشعبي الذي اعتادته كثير من الأمم ووضعت له برامج وفعاليات، من دون أن يستلهم معاني الثورة الحسينية، والأهداف التي سعى الإمام “ع” لتحقيقها وطالب الأجيال كلّها بنصرته في تحقيقها، بل إنّ الكثير من المشاركين مخالفون لتعاليم أهل البيت “ع” وتاركون للواجبات ومرتكبون للمحرمات، فواجبنا اليوم تنقية هذه الشعائر المقدّسة وصيانتها من الانحراف عن مسارها الذي وضعه لنا أهل البيت “ع” وترسيخ القيم والمبادئ التي شادتها الثورة الحسينية المباركة، وهي إصلاح الأمّة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإقامة السُنة وإماتة البدعة وتحرير العباد من طاعة الشيطان والأهواء والطواغيت ليعودوا إلى عبادة الله تعالى وحده، وهذه مسؤولية تقع على الجميع…» [في ثقافة الرّفض وإصلاح المجتمع: ص107].
#والمؤسف إنّ حضّار هذه المحاضرة الأخيرة هم من طلّاب الإعداديّة الّذين لم يسمعوا محاضرات اليعقوبيّ السّابقة حول زيارة الأربعين والحثّ والتّحشيد نحوها، وكيف إنّه ادّعى إنّها هي من أجبرت الرّئيس الأمريكي حينها على دراسة شخصيّة الحسين بن عليّ “ع” لمعرفة السرّ الّذي يكمن وراء تأثيره بهؤلاء السّائرين وجعلهم يبذلون كلّ غالٍ ونفيس من أجله كما أخبره صديقه بذلك!! وكيف إنّ هذه الزّيارة والتّحشيد نحوها والحضور فيها أفشلت المشروع الأمريكي في مسخ هوية الأمّة وتذويب شخصيتها!! وكيف كان يمدح التّعبئة العامّة الّتي أعلنتها الأمّة لإنجاحها وتقديم أسباب الرّاحة لهذه الملايين فيها، ولا ندري كيف تحوّلت بقدرة قادر إلى ما يُشبه الفولكلور وكثير من حضّارها مخالفون لتعاليم أهل البيت “ع” وتاركون للواجبات ومرتكبون للمحرمات؟!
#أجل؛ حينما يكون وعي المرجع بهذا المستوى دون أن يحمل نظرة استشرافيّة عميقة لمآلات هذه الظّواهر وسلبيّاتها، بل وتجده يتعامل بشكل آنيّ معها ومع أضرابها فمن الطّبيعي أن يكون إفساده أكثر من إصلاحه، ومن الطّبيعي أن تُخرِّج الجامعات العراقيّة ـ الّتي يتأثّر طلّابها بهذا الّلون من الخطاب ـ جيلاً مشوّهاً صداميّاً لا يعرف سوى لغة الأسود والأبيض في التّعامل مع من يختلف معه في الرّأي، والطّريف إنّ بعض مقلّديه يتحدّثون دائماً عن إصلاحيّته وسعة أفقه وبُعد نظره، ولله في خلقه شؤون وشؤون.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...