الولاية التّكوينيّة وإسقاطات الصّدوق الآيدلوجيّة!!

11 يونيو 2018
1123
ميثاق العسر

#روى الكليني في كتابه الكافي عن خمسة من شيوخه القمّييّن، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن الحسين بن ثوير، زيارة طويلة للحسين بن عليّ “ع”، وهي مشهورة ومتداولة أيضاً ذات مضامين غريبة، وقد تضمّنت فقرات ركن إليها المثبتون للولاية التّكوينيّة للأئمّة “ع” لإثبات مدّعاهم، […]


#روى الكليني في كتابه الكافي عن خمسة من شيوخه القمّييّن، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن الحسين بن ثوير، زيارة طويلة للحسين بن عليّ “ع”، وهي مشهورة ومتداولة أيضاً ذات مضامين غريبة، وقد تضمّنت فقرات ركن إليها المثبتون للولاية التّكوينيّة للأئمّة “ع” لإثبات مدّعاهم، لكن المؤسف إنّ المرحوم الصّدوق ـ انطلاقاً من منطلقاته الآيدلوجيّة ومتبنيّاته العقائديّة الأولى الّتي قلّد فيها أستاذه محمّد بن الحسن بن الوليد ـ بادر إلى حذف هذه الفقرات، وأدرجها في كتابه “من لا يحضره الفقيه” خالية منها، ومن الطّريف والّلافت إنّ الصّدوق لم يذكر غير هذه الزّيارة في كتابه الفقيه؛ ونصّ على إنّ ذلك بسبب كونها أصحّ الزّيارات عنده من طريق الرّواية، وفيها بلاغ وكفاية حسب تعبيره [الفقيه: ج2، ص598]، وهذا الأمر هو الّذي حتّم علينا بوضوح إسقاط وثاقته في عموم تفرّداته؛ وذلك لأنّنا نطمئن بل نجزم أحياناً بكونه يمارس البتر والإضافة والتّطبيق في النّصوص وفقاً لمنطلقاته الآيدلوجيّة ومتبنّياته العقائديّة لا في الرّوايات الضّعيفة عنده فحسب، بل حتّى في الصّحاح أيضاً، وهذا من الغرائب.
#ولكي أقطع الطّريق أمام هلوسات تعدّد النّسخ والأسانيد الّتي يسعى حتّى بعض الكبار للتّمسّك بها كجواب لهذه الممارسات؛ بغية الحفاظ على الصّورة النّمطيّة المذهبيّة لأمثال هؤلاء المحدّثين يحسن بي أن أضع الفقرات المحذوفة من الزّيارة كما جاءت في الكافي المُلقّب بالشّريف، ونعود بعد ذلك لعرض أسانيد الصّدوق إليها؛ لرؤية إمكانيّة أن تشتمل هذه الأسانيد على احتمال أن يكون حذف هذه الفقرة من غير المرحوم الصّدوق لا منه كما قد يُتوهّم.
#أمّا أهمّ الفقرات المحذوفة من الزّيارة فهي: «إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصّادر عمّا فصل [أو نقل] من أحكام العباد» [الكافي: ج4، ص557؛ كامل الزّيارات: ص200؛ تهذيب الأحكام: ج6، ص64].
أمّا أسانيد الصّدوق إلى هذه الزّيارة فهي ـ كما أخبرنا في كتابه “من لا يحضره الفقيه”ـ تصل إلى الحسن بن راشد وهو الرّاوي الّذي تتحد جميع الأسانيد في الوصول إلى هذه الزّيارة إليه [ج2، ص597]، وحينما نعود إلى المشيخة الّتي كتبها في آخر الفقيه وشرح فيها طُرقه وأسانيده نجده ذكر طريقين إلى الحسن بن راشد:
#الطّريق الأوّل: عن والده، عن سعد بن عبد الله، وأحمد بن محمّد بن عيسى؛ وإبراهيم بن هاشم جميعاً؛ عن القاسم بن يحيى؛ عن جدّه الحسن بن راشد.
والطّريق الثّاني: عن محمّد بن عليّ ماجيلويه؛ عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم؛ عن أبيه؛ عن القاسم بن يحيى؛ عن جدّه الحسن بن راشد. [مشيخة الفقيه: ج4، ص484].
#أمّا المشايخ الخمسة الّذين روى الكليني هذه الزّيارة بتوسّطهم عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد فهم:
1ـ أحمد بن إدريس، المُكنّى بأبي عليّ الأشعريّ القمّي.
2ـ داود بن كُورة القمّي.
3ـ عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي.
4ـ عليّ بن موسى الكُمنداني القمّي.
5ـ محمّد بن يحيى العطّار القمّي.
#إذا اتّضحت لك هذه الصّورة ودقّقت معي في تطابق بعض أسانيد الكافي مع الصّدوق حتّى الحسن بن راشد ستجزم باستحالة أن يكون الحذف الّذي مارسه الصّدوق سببه اختلاف النّسخ أو الطُرق؛ إذ لو كان الأمر كذلك لظهر ذلك في رواية الكليني باعتباره قد سلك نفس الطّريق وسمع من نفس الرّواة أيضاً، ونحن نفترض في رتبة سابقة التّسالم على وثاقة الكليني وتنصيص المتقدّمين على ضبطه ودقّته ووثاقته.
#نعم؛ يبقى احتمال أن يكون هذا الإسقاط من الرّواة المباشرين للصّدوق وهم أثنان: أبوه وابن ماجيلويه باعتبارهما الرّواة المباشرين لطريقيه إلى ما فوق، لكن هذا الاحتمال منفيّ وبقوّة أيضاً؛ وذلك لأنّ ابن قولويه قد روى نفس هذه الزّيارة في كتابه الشّهير “كامل الزّيارات” مع هذه الفقرة المحذوفة من الصّدوق عن الحسن بن راشد أيضاً عن طريق ثلاثة أشخاص هم: والده؛ ووالد الصّدوق؛ وابن الوليد أيضاً، ولو كان والد الصّدوق ـ وهو أحد الّذين روى الصّدوق عنهم هذه الزّيارة كما أسلفنا في عرض طريقه ـ هو المسؤول عن هذه النقيصة لظهر هذا النّقص في نقل ابن قولويه عنه أيضاً، وبقرينة التّطابق في نقل الصّدوق عن أبيه وعن ابن ماجيلويه وبلحاظ ما رواه ابن قولويه عن أحدهما ينتفي هذا الاحتمال عن ابن ماجيلويه أيضاً، ويثبت إنّ الحذف كان من الصّدوق لا محالة إلّا لمن يريد أن يعاند ويكابر لمرض أو ما شابهه. على إنّنا نفترض جدلاً أيضاً وثاقة ابن قولويه وتنصيص المتقدّمين على ذلك.
#إذن؛ لا يمكن أن نتّهم الكافي وشيوخه، ولا ابن قولويه وشيوخه، ولا الطّوسي ومتابعاته، بتهمة إنّهم هم المسؤولون عن زيادة هذه الفقرة وإنّ الأصل عدم وجودها كما في نقل الصّدوق، كما لا يمكن أن نبرّأ ذمّة الصّدوق في حذف هذه الرّواية باختلاف النّسخ كما هي الشّماعة المتكرّرة حتّى عند الكبار ممّن يحسنون إنّ حسن الظّن في الأمور العلميّة حسن؛ فلا أبوه ولا أستاذه ولا معاصروه أقرّوا بهذا الحذف ولم تؤكّده نسخة من النّسخ الّتي اعتمد عليها المحدّثون الّذين بعدهم أيضاً، نعم لا طريق لنا إذا ما أردنا أن نحسن الظّن بالصّدوق إلّا أنّ نقول: إنّ حذفها جاء من خلال منطلقات آيدلوجيّة ومتبنّيات عقائديّة كان الصّدوق يعتقد بها، لكن المؤسف إنّ هذه المنطلقات والمتبنّيات وضعت أمانته العلميّة عندنا تحت طائلة السّؤال، وبالتّالي فلا مجال للاستناد إلى تفرّداته واعتبارها مرويّات واردة عن الأئمّة “ع” لكي يتمّ التّعامل معها وفقاً للمناهج الرّجاليّة والحديثيّة والفقهيّة المعروفة في الاستظهار والاستنباط، بل هي اجتهادات شخصيّة كاجتهادات أيّ باحث آخر خاضعة للنّقد والتّقويم، وقيمتها بقيمة الدّليل الّذي يُساق إليها.
#وفي الختام عليّ أن أنوّه إلى نقطة جديرة بالاهتمام وأتمنّى أن تكون عابرة: لا شكّ في إنّ القناعات المتزمّتة للصّدوق وهو يعيش في مدينة قم وفي كنف أستاذه ابن الوليد هي غيرها بعد رحيل الأستاذ وبعد صيرورته شيخ الإسلام في ظلّ الدّولة البويهيّة في الرّي وأسفاره وتحرّكاته، وإنّ من يقرأ كتبه العقائديّة ككمال الدّين وعيون أخبار الرّضا والمملوءة بالتّفرّدات بعين فاحصة ومقارنة وناقدة سيعرف ذلك بوضوح، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...