المرحوم الصّدوق وجنايات من نوع آخر!!

30 يونيو 2018
175
ميثاق العسر

#نوّهنا فيما سبق من سلسلة مقالات إلى جنايات المرحوم الصّدوق في نقل المضامين الرّوائيّة من مصنّفات غيره وادراج أسانيده إلى أصول تلك الرّوايات دون الإشارة إلى مثل هذه الجناية، ولو على مستوى إنّه ما اضطرّ لذلك إلّا بسبب وجود اضطراب أو خلل في مضامين هذه الرّوايات في نسخ تلك الأصول الّتي كانت بين يديه مثلاً، […]


#نوّهنا فيما سبق من سلسلة مقالات إلى جنايات المرحوم الصّدوق في نقل المضامين الرّوائيّة من مصنّفات غيره وادراج أسانيده إلى أصول تلك الرّوايات دون الإشارة إلى مثل هذه الجناية، ولو على مستوى إنّه ما اضطرّ لذلك إلّا بسبب وجود اضطراب أو خلل في مضامين هذه الرّوايات في نسخ تلك الأصول الّتي كانت بين يديه مثلاً، وقد قلنا إنّ هذا النّوع من الجنايات قد انطلت على عموم من جاء من بعده من الفقهاء والمحدّثين انطلاقاً من حسن الظّن بالمرحوم الصّدوق ووهم ولادته بدعاء الحجّة “ع”؛ ولكونها محبوكة بطريقة دقيقة.
#لكنّ هذه الجنايات لم تكن دقيقة في بعض الأحيان، وأوقعت المرحوم الصّدوق في مطبّات حيّرت أحد المحقّقين المعاصرين وأثارت استغرابه؛ فمثلاً: أقدم الصّدوق على نقل رواية رواها الكليني بأسناده عن محمّد بن مسلم عن الباقر “ع”، ليرويها بعينها عن الجواد “ع” وبإسناده عن عليّ بن مهزيار، وربّما يكون السّبب الّذي أوقعه في مثل هذا الخطأ هو كنية أبي جعفر والّتي تستخدم للباقر والجواد “ع” معاً، ويميّز بينهما عادة من خلال الرّاوي عنهما، وربّما يكون سبباً آخر.
#بيان ذلك: روى الكليني ـ وقبله الحسين بن سعيد وصاحب النّوادر ـ عن: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر [الباقر] “ع”: قول اللّه عزّ وجلّ: “والّليل إذا يغشى”؛ “والنّجم إذا هوى” وما أشبه ذلك. فقال: إن لله عزّ وجلّ أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلّا به» [الكافي: ج7، ص449].
#وقد روى الصّدوق نفس هذه الرّواية بالإسناد والنّصّ التّالي: «روي عن عليّ بن مهزيار، قال: قلت لأبي جعفر الثّاني [الجواد] “ع” قوله عزّ وجلّ: “والّليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى”؛ وقوله عزّ وجلّ: “والنّجم إذا هوى” وما أشبه هذا، فقال: إن الله عزّ وجلّ يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلّا به عزّ وجلّ» [الفقيه: ج3، ص376].
#والغريب: إنّ الفقهاء تعاطوا مع هذين النّقلين وكأنّهما روايتان منفصلتان ورتّبا أثراً عليهما أيضاً، وهذا من الغرائب… قال المرحوم الخوئي في سياق بيان مدرك الفتوى النّاصّة على عدم جواز الحلف إلّا بالله أو باسمائه: «بلا خلاف ولا إشكال، وتدلّ عليه عدّة روايات، منها: قول أبي جعفر الثّاني “ع” في صحيحة عليّ بن مهزيار…، ومثلها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر “ع”؛ وذلك لإطلاق الصحيحتين المتقدّمتين» [مباني تكملة المنهاج: ج1، ص30]. #ونصّ السيّد كاظم الحائري “حفظه الله” قائلاً: «وقد يستدلّ على ذلك بروايات كثيرة واردة في النهي عن الحلف بغير الله من قبيل: ما عن عليّ بن مهزيار بسند تامّ قال: قلت لأبي جعفر الثّاني “ع”… وما عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر “ع”… وغيرهما من الروايات». [القضاء في الفقه الإسلاميّ: ص684].
#أقول: من الواضح لدى الممارس إنّ هذه الرّواية لم ترو بعينها وبنفس ألفاظها عن الجواد “ع” كما هي في أصلها عن الباقر “ع” كما توّهم ذلك جملة من الفقهاء ولا غرو في ذلك وهم ضحايا المرحوم الصّدوق ولا يتحمّلون مسؤوليّة وهم ينساقون مع مبانيهم الّتي أسّسوا لها؛ بل هي رواية واحدة رويت عن أبي جعفر الباقر “ع” فقط، وسنفتح بعد ذلك العلاقة المباشرة المُقلقة جدّاً بين عليّ بن مهزيار وبين الجواد “ع” والّتي لا زلنا حتّى الّلحظة ندفع ثمنها لكي يعرف المتابعون عدم إمكانيّة رواية مثل هذه الرّواية بألفاظها عنه مرّة ثانية كما قد يتوهّم المتوهّمون.
#ولا أدري ما هو السّبب الّذي حدا بالصّدوق إلى مثل الجناية ولا أزيد على ذلك إحراجاً لهذا أو ذاك، ولكن مهما كان السّبب فإنّ هذا وغيره من الشّواهد الّتي تقدّمت والّتي ستأتي أيضاً تؤكّد بقوّة المبنى المختار من إسقاط وثاقة الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ إذ لا تسكن النّفس إليها وصاحبها يُكثر من التّصرّف في المتون والأسانيد انسياقاً منطلقاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة وربّما غيرها أيضاً، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...