المحدّث القمّي وأسطورة حديث الكساء المتداول

12 نوفمبر 2016
1542
ميثاق العسر

#بدا للمرحوم المحدّث عبّاس القمّي “1877ـ1940م” إضافة بعض ما استجدّ له من أدعيّة وأوراد مأثورة إلى كتابه الشهير “مفاتيح الجنان” بعد انتشاره بين النّاس وكثرة الطلب والإلحاح على هذه الإضافات، لكنّه واجه مشكلة حدت به إلى تجنّب مثل هذا الأمر. دعوني أترك المجال إليه ليحدّثنا عن أصل الإضافة وأصل المشكلة أيضاً، وهو أمر يضطرّني إلى […]


#بدا للمرحوم المحدّث عبّاس القمّي “1877ـ1940م” إضافة بعض ما استجدّ له من أدعيّة وأوراد مأثورة إلى كتابه الشهير “مفاتيح الجنان” بعد انتشاره بين النّاس وكثرة الطلب والإلحاح على هذه الإضافات، لكنّه واجه مشكلة حدت به إلى تجنّب مثل هذا الأمر. دعوني أترك المجال إليه ليحدّثنا عن أصل الإضافة وأصل المشكلة أيضاً، وهو أمر يضطرّني إلى ترجمة بعض الأسطر الفارسيّة من مقدّمة الطبعة الثانية الملحقة مع نسخة المفاتيح الفارسيّة، والتي غابت تماماً من النسخة المعرّبة المتداولة دون أن أعرف السبب.
#قال المحدّث القمّي ما ترجمته: «…يقول المذنب الذي أسودّ وجهه من الذنوب عبّاس القمّي “عفا الله عنه”: بعد أن ألّفت بعون الله تعالى كتاب مفاتيح الجنان وانتشر في الأقطار، جال في خاطري أن أزيد بعض الأدعية على طبعته الثانية… [وبدأ يذكر ما يريد إضافته]، لكنّي رأيت إنّ ذلك يوجب فتح باب التصرّف في كتاب مفاتيح الجنان، وقد يشجّع بعض المتطفّلين لإضافة بعض الأدعية الأخرى أو لحذف بعضها، ويسوّقوه بين النّاس تحت عنوان مفاتيح الجنان كما نلاحظ ذلك في #مفتاح الجنان، الأمر الذي دعاني إلى الإبقاء على الكتاب كما هو، وإضافة ما أريد إضافته [من مطالب ثمانية] بعنوان ملاحق بعد إتمام المفاتيح، وأفوّض وأسلّم من يريد أن يتصرّف في كتاب مفاتيح الجنان إلى لعنة الله القهّار، ولعنة رسوله والأئمّة الأطهار “ع”». [مفاتيح الجنان، الطبعة الفارسيّة: ص572].
لكن يظهر إن هذه الّلعنات التي بثّها المحدّث القمّي لم تقمع طموحات المتطفّلين؛ ورأينا كيف إن دور النشر الإيرانيّة والبيروتيّة بادرت إلى إلحاق إضافات إلى هذا الكتاب لا يقبل بها نفس القمّي الذي حاربها بشدّة مع أستاذه المحدّث النوري “1838ـ1903م”. ولعلّ أبرز إضافة تمثّل مصداقاً جليّاً للعنة القمّي هو حديث الكساء بصيغته المعروفة، والذي ألحق بكتاب مفاتيح الجنان، والذي رأينا في مقال سابق كيف إنّ المرحوم الميرزا جواد التبريزي جعل صيغته المعروفة من مسلّمات المذهب الشيعي، وليته راجع قبل أن يكتب ذلك.
سأترك المجال أيضاً للمحدّث القمّي ليجيب على كلام المرحوم الميرزا التبريزي “1935ـ2006م”، وسنأخذ كلامه من كتابه الآخر منتهى الآمال في تاريخ النبيّ والآل، ومن نسخته الفارسيّة أيضاً لا المعرّبة، وسنشير إلى سبب ذلك لاحقاً:
#بعد أن نصّ المحدّث القمّي على إنّ #أصل واقعة الكساء مسلّمة عند الفريقين معاً، ولا إشكال ولا شبهة في حدوثها، قرّر هذه العبارة والترجمة بقلمي:
«وأمّا الحديث المعروف والمشهور في زماننا بعنوان حديث الكساء فلم يرد بهذه الصيغة في الكتب المعتبرة المعروفة، ولا في الأصول الحديثيّة والمجامع المتقنة للمحدّثين، ويمكن أن يقال إنّه من مختصّات كتاب المنتخب للطريحي». [منتهى الآمال النسخة الفارسيّة: ج1، ص708].
#لكن الغريب والمؤلم إنّنا حينما نرجع إلى كتاب منتهى الآمال المُعرّب من قبل الدار الإسلاميّة في بيروت عام: “1994م” لا نجد للأسطر أعلاه ذكراً [منتهى الآمال: ج1، 623]، واكتفى المعرّب أو الدار بذكر ما قبلها وما بعدها، ولعل ذلك ناشيء من اعتمادهم على نسخة محرّفة من كتاب منتهى الآمال الفارسي، الأمر الذي يؤكّد ما قلناه سابقاً من ابتلاء بعض الترجمات #التجاريّة في بيروت بمشاكل كثيرة لا تسمح عادة في الاعتماد عليها، وينبغي على المتابع العربي التأكّد قبل مراجعتها.
#ومّما تقدّم يظهر الحال فيما أفاده الميرزا جواد التبريزي من بيان في استفتائه الذي هجا فيه المرحوم مرتضى العسكري”1914ـ2007م”؛ حينما نصّ التبريزي على «إنّ حديث الكساء بالصيغة المعروفة هو جزء من اعتقادات الشيعة، وعلى منكره الاستغفار كي تشمله الرحمة الإلهيّة، وينجو في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلّا من أتى الله بقلب سليم»؛ فمثل هذا الكلام لا ينبغي صدوره منه، وإن صدر فينبغي حمله على إن مقصود الميرزا أصل واقعة الكساء لا صيغته المعروفة التي تفرّد بها منتخب الطريحي كما نصّ المحدّث القمّي.
#وأخيراً: هل عرفتم كم هو حجم الاستغفال الذي يمرّ علينا نحن بسطاء الشيعة من قبل أمثال هؤلاء؟! وهل عرفتم المشاكل الكبيرة التي تعتري المصادر التي كوّنت وعينا وثقافتنا؟


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...