المال أهمّ شروط التّسوية بين الحسن “ع” ومعاوية!!

5 سبتمبر 2020
48
ميثاق العسر

#حملت الكتب المعتبرة عند الفريقين ـ وبشكل متناثر أيضاً ـ بعض الشّروط المحدّدة فيما يُمكن الاصطلاح عليه بالتّسوية السّياسيّة الّتي حصلت سنة: “41هـ” بين الحسن بن عليّ “ع” ومعاوية بن أبي سفيان، ولعلّ أبرز هذه الشّروط هو: القضايا الماليّة؛ حيث روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعندهم: أنّ الحسن بن عليّ “ع” قال […]


#حملت الكتب المعتبرة عند الفريقين ـ وبشكل متناثر أيضاً ـ بعض الشّروط المحدّدة فيما يُمكن الاصطلاح عليه بالتّسوية السّياسيّة الّتي حصلت سنة: “41هـ” بين الحسن بن عليّ “ع” ومعاوية بن أبي سفيان، ولعلّ أبرز هذه الشّروط هو: القضايا الماليّة؛ حيث روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ” بإسناده الصّحيح عنده وعندهم: أنّ الحسن بن عليّ “ع” قال لوفد معاوية بن أبي سفيان الّذي هو عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز: «إنّا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال، وإنّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها»، فقالا له: «فإنّه [أي معاوية] يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك»، فقال لهم الحسن بن عليّ “ع”: «فمن لي بهذا؟» أي من يضمن لي ذلك، فقالا له: «نحن لك به»، وعلى أساس هذا الاتّفاق: «فما سألهما شيئاً إلّا قالا: نحن لك به»، فصالح معاوية على هذا الأساس. [صحيح البخاري: ج3، ص186].
#كما نصّ أحمد بن داود الدينوريّ المتوفّى سنة: “282هـ” في الأخبار الطّوال قائلاً: «ولمّا رأى الحسن من أصحابه الفشل، أرسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلّم له الخلافة، وكانت الشّرائط: ألّا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمّن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ويجعل له خراج الأهواز مسلّماً في كلّ عام، ويحمل الى أخيه الحسين بن عليّ في كلّ عام ألفي ألف، ويفضّل بنى هاشم في العطاء والصّلات على بني عبد شمس». [الأخبار الطّوال: ص220].
#وأوردت بعض الكتب كذلك: أنّ الحسن بن عليّ “ع” قد اشترط أن يُدفع له خراج منطقة دارابجرد [دارابگرد] من بلاد فارس والّتي صالح أبو موسى الأشعريّ أهلها على أن يدفعوا مليوناً وثمانين ألفاً كإتاوات شرعيّة سنة: “27هـ” [العبر في خبر من غبر: ج1، ص21]، وأفاد الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” بأنّ أهل البصرة منعوا الحسن بن عليّ “ع” من أخذ ضرائب هذه المنطقة، وقالوا: «فيئنا». [تاريخ الطّبري: ج5، ص165].
#وحكى الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” عن كتاب الفروق بين الأباطيل والحقوق لابن بحر الشّيباني، الأخير الّذي روى بسنده عن يوسف بن مازن الراشي قوله: «بايع الحسن بن علي معاوية على أن لا يسمّيه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي شيئاً، وعلى أن يفرّق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دارابجرد». [علل الشّرائع: ص211ـ212].
#وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر المتوفّى سنة: “571هـ”: «ثمّ دعا عمرو بن سلمة الأرحبي فأرسله وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصّلح ويسلّم له الأمر، على أن يسلّم له ثلاث خصال: يسلّم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعيده الّتي عليه، ويتحمل منه هو ومن [معه‏] عيال أهل أبيه وولده وأهل بيته، ولا يسبّ عليّ وهو يسمع، وأن يحمل إليه خراج [إتاوات شرعيّة] فسا ودارابجرد من أرض فارس كلّ عام إلى المدينة ما بقي، فأجابه معاوية إلى ذلك وأعطاه ما سأل‏». [ج13، ص264، دار الفكر].
#وقال ابن الأثير المتوفّى سنة: “630هـ” في الكامل في التّاريخ: «وكان الّذي طلب الحسن من معاوية: أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألف [خمسة مليون]، وخراج دارابجرد من فارس، وأن لا يشتم عليّاً، فلم يجبه عن الكفّ عن شتم عليّ، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثمّ لم يف له به أيضاً، وأما خراج دارابجرد فإنّ أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه أحداً، وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً». [الكامل في التّاريخ: ج3، ص6، ط دار الكتاب العربي].
#وقال الذّهبي المتوفّى سنة: “748هـ” في سير أعلام النّبلاء: «ووفّى معاوية للحسن ببيت المال، وكان فيه يومئذ سبعة آلاف ألف درهم؛ فاحتملها الحسن، وتجهز هو وأهل بيته إلى المدينة، وكفّ معاوية عن سبّ عليّ والحسن يسمع، وأجرى معاوية على الحسن كلّ سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين». [سير أعلام النّبلاء: ج3، ص264، ط الرّسالة].
#وقال ابن كثير المتوفّى سنة: “774هـ” في البداية والنّهاية: «وحاصل ذلك أنّه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الّذي بالكوفة، فوفّى له معاوية بذلك، فإذا فيه خمسة آلاف ألف [خمسة مليون]، وقيل: سبعة آلاف ألف [سبعة مليون]، وعلى أن يكون خراج البصرة وقيل: دارابجرد له في كلّ عام، فامتنع أهل تلك النّاحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن ذلك ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ما له في كلّ عام في وفادته؛ من الجوائز والتّحف والهدايا، إلى أن توفي في هذا العام». [البداية والنّهاية: ج11، ص205، ط هجر].
#هذه هي طبيعة الشّروط المنقولة في هذه الكتب وقد أوردناها بطولها ليكون القارئ على دراية بتفاصيلها وطبيعة اختلافاتها.
#أمّا مصير الخلافة بعد معاوية إلى الحسن بن عليّ “ع” بعد وفاة الأوّل فلم تُشر له الكتب آنفة الذّكر، لكنّ جاء في كتاب الفتوح لابن أعثم المتوفّى سنة: “314هـ” «ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر شورى بين المسلمين» [ج3ـ4، ص291، ص329، النّسخة الفارسيّة، ط حجريّة]، كما روى الذّهبي عن عمرو بن دينار قوله وهو يتحدّث عن صلح معاوية والحسن: «أعطاه معاوية عهداً إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه، وليجعلن الأمر إليه»، [سير أعلام النّبلاء، مصدر سابق]، كما حكى ابن حجر العسقلانيّ المتوفّى سنة: “852هـ” عن كتاب الخوارج لمحمّد بن قدامة الجوهري إنّه أورد بسنده الّذي وصفه ابن حجر بالقوي عن أبي نضرة قوله: «إنّه سمع الحسن بن عليّ يقول في خطبته عند معاوية: إنّي اشترطت على معاوية لنفس الخلافة بعده». [فتح الباري: ج25، ص129، تحقيق: الأرنؤوط].
#أمّا دعوى أنّ من شروط الصّلح أو التّسوية أن يدفع الأمر إلى الحسين بن عليّ “ع” في حالة موت شقيقه فهذه كذبة صلعاء لا أثر لها في الكتب المعتبرة على الإطلاق، وإنّما ذكرت لأوّل مرّة ـ حسب التتبّع ـ في كتاب النسّابة الاثني عشريّ ابن عنبة المتوفّى سنة: “828هـ” المسمّى: “عمدة الطّالب في أنساب آل أبي طالب” [ص46، ط حجريّة؛ ص67، ط النّجف؛ ص74، تحقيق: مهدي رجائي] وساهم في ترويجها صاحب كتاب صلح الحسن المرحوم راضي آل ياسين المتوفّى سنة: “1371هـ”[ص259ـ260، ط النّجف]، وهكذا تلاقفها كلّ من كتب بعده في هذا الخصوص، فانعكست على الملالي والوعّاظ من أصحاب المنابر وغيرهم دون تحقيق وفحص؛ إذ وجدوا في هذه الكذبة خير معين لإقناع أنفسهم وجماهيرهم بأنّ هذا هو السّبب الّذي أوجب خروج الحسين بن عليّ “ع” على يزيد.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ الباعث لرفض الحسين بن عليّ “ع” لخلافة يزيد بن معاوية لا يرتبط بشيء من شروط الصّلح الّتي أبرمها شقيقه الحسن “ع” مع معاوية، فإنّ معاوية وإن نقض بعضها كما لحظنا وإن اختلفت كلماتهم أيضاً، لكنّ الظّاهر أنّ الجوانب الماليّة المباشرة والخاصّة لم تُقطع، وبقيت حتّى أواخر حياة معاوية جارية للحسين بن عليّ “ع” كذلك، أمّا نقض الشّروط الأخرى المرتبطة بالدّماء فلم يحرّك الحسين بن عليّ “ع” ساكناً تجاهها على مستوى العمل حيث البيعة كانت في عنقه لمعاوية وإن حصل شيء من هذا القبيل على مستوى الرّسائل والشّجب، وأمّا حكاية أنّ المفترض بمعاوية تسليم الخلافة للحسين “ع” بعد موت شقيقه الحسن “ع” فهي كما رأيت فاقدة لأيّ قيمة في الكتب المعتبرة وإن اشتهرت على الألسن والمنابر المعاصرة، نعم؛ كان الحسين “ع” يعتقد بأحقيّته بالخلافة وله الحقّ في ذلك، لكنّ هذا مطلب آخر لا يترشّح من شروط التّسويّة الّتي حصلت بين معاوية وشقيقه الحسن “ع”، والّتي كان الحسين “ع” متحفّظاً بشدّة على أصلها، فتفطّن كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...