الكاظم “ع” وعزوفه عن الزوجة الّتي اختارها له أبوه!!

23 أكتوبر 2018
1144
ميثاق العسر

#روى الكليني صاحب أهمّ كتاب إثني عشريّ معتبر بإسناده عن خطّاب بن سلمة إنّه قال: «كانت عندي امرأة تصف هذا الأمر، وكان أبوها كذلك، وكانت سيئة الخلق، وكنت أكره طلاقها لمعرفتي بإيمانها وإيمان أبيها، فلقيت أبا الحسن موسى [الكاظم] “ع” وأنا أريد أن أسأله عن طلاقها، فقلت: جعلت فداك، إنّ لي إليك حاجة، فتأذن لي […]


#روى الكليني صاحب أهمّ كتاب إثني عشريّ معتبر بإسناده عن خطّاب بن سلمة إنّه قال: «كانت عندي امرأة تصف هذا الأمر، وكان أبوها كذلك، وكانت سيئة الخلق، وكنت أكره طلاقها لمعرفتي بإيمانها وإيمان أبيها، فلقيت أبا الحسن موسى [الكاظم] “ع” وأنا أريد أن أسأله عن طلاقها، فقلت: جعلت فداك، إنّ لي إليك حاجة، فتأذن لي أن أسألك عنها؟ فقال: أئتني غداً صلاة الظّهر. قال: فلمّا صلّيت الظّهر أتيته، فوجدته قد صلّى وجلس، فدخلت عليه، وجلست بين يديه، فابتدأني، فقال: يا خطّاب، كان أبي [الصّادق “ع”] زوّجني ابنة عمّ لي، وكانت سيئة الخلق، وكان أبي ربّما أغلق عليّ وعليها رجاء أن ألقاها فأتسلّق الحائط وأهرب منها فلمّا مات أبي طلّقتها. فقلت [أي خطّاب بن سلمة]: الله أكبر، أجابني ـ والله ـ عن حاجتي من غير مسألة». [الكافي: ج6، ص55ـ56].
#لكنّ المرحوم محمّد تقي الشّوشتري ذهب إلى إنّ قوله: «وكان أبي ربّما أغلق عليّ وعليها الباب رجاء أن ألقاها فأتسلّق الحايط وأهرب منها فلمّا مات أبي طلّقتها» من الزّيادات في الرّواية لغرض ما دون أن يُسمّي هذا الغرض؛ وبرّر دعواه بقوله: «فإنّ أباه “ع” كيف كان يجبره على إبقائها ولم يقل الله ذلك، وعلى فرضه فهو “ع” كيف كان يتسلّق الحايط ويهرب ومثله “ع” منزّه عن مثل ذاك العمل. ثمّ كيف يردّ ما أراده الإمام؟! ألم يقل اللّه تعالى: النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ألم يكن الإمام حاله حال النّبيّ “ص” في وجوب إجابته في ما طلب ولو على خلاف ميل نفسه، فقد قال النّبيّ “ص” يوم خمّ للنّاس: “ألست أولى بكم من أنفسكم…، ويجرى في آخرهم ما يجري في أوّلهم، فكان حقّ إمامه الصّادق “ع” عليه أن يقبل ذلك على خلاف ميله، ولا نقول كان عليه قبوله بحقّ أبوّته؛ للرّخصة في مخالفته في مثله؛ ففي الخبر: “تزوّج الّتي هويت، ودع الّتي يهوي أبواك”» [الأخبار الدّخيلة: ج3، ص305].
#وبعد أن أكمل الشّوشتري شواهده المذهبيّة للبرهنة على مدّعاه في وضع هذا الذّيل نصّ قائلاً على إنّ الأصل في هذه الرّواية هو ما جاء في الرّواية الّتي تلتها مباشرة حيث قال ابن سلمة فيها: «دخلت عليه ـ يعني أبا الحسن موسى ع ـ وأنا أريد أن أشكو إليه ما ألقى من أمرأتي من سوء خلقها، فابتدأني فقال: إنّ أبي كان زوّجني مرّة أمرأة سيئة الخلق، فشكوت ذلك إليه، فقال لي: ما يمنعك من فراقها، قد جعل الله ذلك إليك؟ فقلت فيما بيني وبين نفسي: قد فرّجت عنّي»؛ فإنّ ما في هذه الرّواية والكلام للشّوشتري: «معنى صحيح لا يرد فيه شي‏ء على الصّادق “ع” في إلزام ابنه بما لم يأمر به الله، بل تضمّن إرشاده له بحقّ جعله الله له، ولا على الكاظم “ع” في ردّه أمر أبيه». [الأخبار الدّخيلة، المصدر السّابق نفسه].
#ويجدر بي أن أسجّل بعض الملاحظات العاجلة:
#الأولى: لم يفصّل لنا الشّوشتري مختاره من دعوى إنّ الرّواية الثّانية تحمل معنى صحيحاً لا يتناقض مع مدّعياته المذهبيّة الّتي سعى من خلالها البرهنة على وضع ذيل الرّواية الأولى؛ إذ حتّى لو آمنا بذلك واقتصرنا على نصّ الرّواية الثّانية فسوف يبقى السّؤال قائماً لمن ينطلق من رؤية مذهبيّة: كيف يبادر الصّادق “ع” إلى تزويج ولده ـ والّذي هو الإمام من بعده حسب الفرض ـ زوجة ذات خُلق سيّء حتّى يصل الحال بولده أن يتذمّر إليه منها فيقول له أبوه ع: “ما يمنعك من فراقها”؟! أ لم يحتمل الكاظم “ع” إنّ تزويج أبيه الصّادق “ع” له بإمرأة سيّئة الخُلق يحمل غرضاً ما وعليه إطاعة إمام زمانه؟!
#الثّانية: إنّ الشّوشتري لم يقدّم دليلاً على وضع هذا الذّيل سوى بعض الشّواهد المذهبيّة والّتي لم يكترث بها نفس الكليني وغيره من المحدّثين الإثني عشريّة حينما موضعوا هذه الرّواية في كتبهم وتعبّدوا بحقّانيّة مضمونها أيضاً، وكان على الشّوشتري أن يجعل من أمثال هذه النّصوص خير شاهد ومنبّه على عدم تماميّة أصل تلك الدّعاوى المذهبيّة الكبيرة أو على ضرورة إعادة النّظر في سعة دائرتها على أقلّ تقدير؛ انطلاقاً من قاعدة: “خير دليل على بطلان الملزومات بطلان الّلوازم”.
#الثّالثة: يبدو إنّ الكاظم “ع” قد جنح بعد هذه التّجربة القصيرة المُتعبة نحو الاكتفاء بأمّهات الأولاد وترك الزّواج، ولعلّه “ع” هو الّذي غيّر مسار الأسرة العلويّة الحسينيّة نحو الارتباط الحصريّ بأمّهات الأولاد انطلاقاً من مبرّرات موضوعيّة وشرعيّة معيّنة أبرزها سوء الخلق عند من يُراد الزّواج بها، وأمّهات الأولاد ليست كذلك بطبيعة الحال؛ في حين إنّ آباءه الطّاهرين “ع” كانت لهم زوجات مشخّصة ومعروفة بالإضافة إلى تسرّيهم، ولعلّ هذا هو سرّ ضغوطات والده “ع” عليه، ولا أدري لماذا لم يُشر الشّوشتري إلى مثل هذه الزّوجة وهو ينفي وجود زوجة للكاظم “ع” كما نبّهنا لذلك في مقال سابق.
#الرّابعة: الرّوايتان أعلاه تكشفان بوضوح عن الاختلاف البيّن بين وجهات النّظر الأحكاميّة والموضوعيّة والتّدبيريّة بين الإمام الأب والإمام الإبن، ولعلّ من يُراجع مقالاتنا المخصّصة لذلك يجد هذا المعنى مع شواهده الرّوائيّة بوضوح، وبذلك نفسّر الاختلافات الّتي نقلها الصّادق “ع” بين عليّ وولده الحسن “ع” حول ضرورة الانسجام مع الزّوجات وعدم تحبيذ الطّلاق والّتي موضعها المحدّثون في الباب نفسه، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...