الفرات ودجلة ملك للإمام أم للشعب؟!

3 أغسطس 2018
1000
ميثاق العسر

#روى الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر في باب عقده حمل عنوان: “إنّ الأرض كلّها للإمام” رواية ظريفة بإسناده عن يونس بن ظبيان أو المعلّى بن خنيس إنّه قال: «قلت لأبي عبد الله [الصّادق] “ع”: ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسّم ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى بعث جبرائيل “ع” وأمره أن يخرق […]


#روى الكليني صاحب أهمّ كتاب حديثيّ إثني عشريّ معتبر في باب عقده حمل عنوان: “إنّ الأرض كلّها للإمام” رواية ظريفة بإسناده عن يونس بن ظبيان أو المعلّى بن خنيس إنّه قال: «قلت لأبي عبد الله [الصّادق] “ع”: ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسّم ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى بعث جبرائيل “ع” وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها سيحان؛ وجيحان وهو نهر بلخ؛ والخشوع وهو نهر الشّاش؛ ومهران وهو نهر الهند؛ ونيل مصر؛ ودجلة؛ والفرات، فما سقت أو استقت [هذه الأنهار] فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدوّنا منه شيء إلّا ما غصب عليه، وإن ولّينا لفي أوسع ما بين ذه وذه، [يعني ما بين السّماء والأرض] …» [الكافي: ج1، ص409].
#ورغم إنّ هذه الرّواية تتحدّث عن خرق جبرائيل بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض لكنّا نجد إنّ الكليني قد روى في نفس هذا الباب رواية أخرى عن الصّادق “ع” أيضاً وهي صحيحة السّند عندهم تقلّص هذه الأنهار فيها إلى خمسة وتحذف سيحان وجيحان والخشوع، وتنصّ على إنّ هذا الأمر حصل برجل جبرائيل لا بإبهامه؛ إذ قال “ع” كما في الرّواية: «إنّ جبرائيل كرى برجله خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه: الفرات؛ ودجلة؛ ونيل مصر؛ ومهران؛ ونهر بلخ، فما سقت أو سُقي منها فللإمام، والبحر المُطيف بالدُنيا للإمام» [المصدر السّابق، نفس المعطيات].
#وفي مقام التّعليق على هذه النّصوص الرّوائيّة بودّي أن أسجّل بعض الملاحظات العاجلة:
#الأولى: وفق المعطيات المعاصرة الّتي يعرفها أيّ طالب مبتدئ في الدّراسة فإنّ الأنهار في نفس هذه الأرض الّتي عاش فيها الرّاوي والمرويّ عنه تتجاوز العدد المذكور بأضعاف مع إغماض الطّرف عمّا تتحدّث عنه الحقائق العلميّة في طريقة تشكيلها؛ فلا أدري لماذا تحصر الرّواية الأولى عدد الأنهار في ثمانية وتسمّيها وتحجم عن ذكر الثّامن، ولماذا تقلّص الرّواية الثّانية الأنهار إلى خمسة وتحذف ثلاثة منها؟! الّلهم إلّا أن يكون مقصود هذه النّصوص من الأنهار شيء آخر غير المعنى المعروف!! أو إنّ هذه الأنهار الخمسة أو الثّمانية بالخصوص هي للإمام وشيعته والرّوايات غير ناظرة لغيرها!! انسياقاً مع كبرى ضرورة التّوجيه الخاطئة.
#الثّانية: بعد أن عرفنا عدم تطابق أمثال هذه النّصوص مع الواقع الخارجي وبشكل جزمي فنحن إمّا أن نلتزم بصحّة صدور مثل هذه النّصوص انسياقاً مع المناهج المعروفة لدى الرّجاليّين الإثني عشريّة بمختلف مشاربهم وإمّا ألا نلتزم بذلك ونلقي الّلوم على الرّواة، فإذا التزمنا بصدورها فلا ينبغي حينذاك البحث عن مهرب لتوجيهها أو لتبرير صدورها بغية الحفاظ على الصّورة النّمطيّة المرسومة عن الإمام في أذهاننا، بل علينا أن نجعل أمثال هذه النّصوص ـ وكم لها من نظير ـ خير منبّه وشاهد على ضرورة إعادة النّظر في المقولات الكلاميّة الّتي طوّقنا الإمام بها مهما انطلقت من نصوص سليمة أيضاً، خصوصاً وإنّها ـ أعني النّصوص المتقدّمة ـ لا يمكن أن تُفسّر بالذّرائع المعروفة عندهم كالتّقيّة وأضرابها.
#الثّالثة: لا شكّ لديّ بأنّ المؤسّسين للمذهب الإثني عشري ساهموا في تعميق ونشر جملة من المقولات المذهبيّة الخاصّة بأمثال هذه النّصوص وأضرابها، وإنّ ذرّ الرّماد في عيون الأجيال المعاصرة بدعوى ضعفها السّنديّ أو وضعها ـ كما هي طريقة بعض العمائم الخاوية ـ لا يقلع أساس المشكلة ما لم نذهب نحو اقتلاع الأساسات الّتي رُكّزت وعُمّقت في الوعي الشّيعيّ بسببها.
#الرّابعة: يجب أن نُذعن إنّنا أمام نصوص روائيّة تُكرّس لطبقيّة علويّة هاشميّة حسينيّة إثني عشريّة متنافية تمام التّنافي مع مقاصد الدّين ومحكماته، والمؤسف إنّ هذه النّصوص انعكست على الواقع الفقهي الإثني عشري لتؤسّس إلى أحكام فقهيّة مشهورة تؤصّل لفقه الغنيمة والحرب والأنفال والعشيرة كما سنتحدّث عن ذلك قريباً، وما لم تُعاد الحياة إلى محكمات القرآن ويُعاد النّظر في المقولات الكلاميّة فلا يوجد طريق أمامنا للحفاظ على مكانة المذهب وزعاماته سوى طريق توليد أحكام ثانويّة وتعمية عيون الجمهور بها، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#مرجعيّات_مجهول_المالك
#الإمامة_الإثنا_عشريّة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...